NaZmiUS ORIGINALITY MOVEMENT NEW WEBSITE

































 

Search for
Site Search
 

 

سراب الديمقراطية العربية.. انظمة قبلية غارقة في الفساد

 

د. ايلي الحاج

 

5/21/2010

 

على الرغم من كون الحكم العربي حكما قبليا غارقا في الوساطة'والمحسوبيات والفساد فمن الملاحظ أيضاً أن الحاكم العربي يظل على سدة الحكم حتى الموت، سواء كان طبيعياً أو ناجمٌ عن إنقلاب عسكري.من ناحية أخرى، فإن كل ملك أو رئيس جمهورية عربي لا يتورع لحظةً عن إظهار ولاء رعيته وحبهم المفرط له. فبينما ينشغل رؤساء الجمهوريات بإستفتاءات هزلية معروفةٌ نتائجها مسبقاً تصل غالباً إلى 100' نرى ملوك العرب في كل مناسبة دينية ووطنية يعانقون ويقبلون طوابير طويلة من رجال رعيتهم وقد بدا على محياهم'السرور والغبطة وهم يعربون عن ولائهم المطلق لمليكهم.السؤال الذي يطرح نفسه جراء هذه المسرحيات هو التالي: هل تحمل هذه المظاهر المفتعلة في ثناياها مدلولات حقيقية عن ولاء المجتمع العربي لرئيس جمهوريته أو لملكه؟ الجواب هو نعم، تعبر هذه المسرحيات عن مدلول حقيقي يشير إلى ولاء المجتمع لرئيسه أو ملكه والسبب يعود إلى إستحالة تزوير الرئيس لكل ورقة إقتراع، أو إجبار كل محتفٍ ملكي تقديم فروض الطاعة والولاء.كدليل على ذلك، عندما سمح الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس اليمني علي عبد الله صالح بنوع من الحرية الإنتخابية الرئاسية، ليس إستفتاء، يوم 7 أيلول (سبتمبر) 2005 ويوم 2 أيلول (سبتمبر) '2006، فاز الرئيس المصري للمرة الخامسة بنسبة 88.6' من الأصوات، وهي نسبة لا تختلف كثيراً عن نسبة فوزه'في'إستفتاءاته الأربعة السابقة، وفاز الرئيس اليمني بنسبة 77.2' بعد حكم دام 28 سنة.لا يشكل النظام النيابي الديمقراطي خياراً طبيعياً لدى معظم أبناء الشعب العربي. من ناحية أخرى، تشكل الطاعة العمياء للسلطة الهرمية حجر الزاوية في نظام ثقافة دينية يسود المنزل العربي ثم المدرسة والمسجد ومكان العمل إلى أن يشمل نظام الدولة العربية السياسي السلطوي ككل.تتضافر قوى الطاعة الدينية العمياء مع الفقر المدقع لعامة الشعب العربي وأميته وسوء حالته الصحية وإيمانه العميق بالقضاء والقدر والملائكة والشياطين والجن لتجعل من معظم أبناء العرب شعوباً خانعة داعمة للسلطة السياسية السلطوية لا حول لها ولا قوة للمعارضة، اللهم عدا عن أقليات من الجهاديين الإسلاميين من جهة وبعض النشطاء في صفوف المثقفين ذوي الأفكار المتحررة غربياً من جهةٍ أخرى.وتجدر الإشارة إلى أن أتباع الطائفة الشيعية كانوا على مر القرون ومازالوا عنصراً مقاوماً متمرداً ضد النظام الديني والزماني للحكام السنة ما يجعل من ثقافة الطاعة العمياء هنا إشارةً إلى أتباع الطائفة المعينة لحكم تلك الطائفة تحديداً.أن المسلمين من غير العرب في بنغلاديش وأندونيسيا وباكستان وتركيا، بلدان تمثل معاً ما يقرب من ثلثي مسلمي العالم يجرون إنتخابات حرة ديمقراطية ويمنحون النساء من الحقوق ما يسمح لهن أن يصبحن رئيسات دول ورئيسات مجالس وزراء والسبب في ذلك يعود إلى أن قراءة مشرعي هذه الدول للعقيده الإسلامية مغايرة لقراءة علماء الدين العرب وحكامهم للعقيدة'الإسلامية.

 

'ما هي أسباب دعم الانسان العربي للسلطة السياسية؟

 

أولاً: الخوف من قوات الأمن.'

 

ثانياً: الخوف من وصول حاكم أسوأ من القائم.

 

ثالثاً: تأثير تعاليم الدين الإسلامي القوية على تصرفات وشخصية الانسان العربي، ينبع هذا التأثير من وصف القرآن الكريم في سورة آل عمران (آية 110) للعرب كـ'خير أمة أخرجت للناس' ومن كون الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) والصحابة أجمع من العرب، والقرآن'الكريم عربي اللغة'والحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة ومسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس الشريف ،مدن عربية فليس عجباً، إذن، أن يشعر العرب'بأنهم حماة أصالة دين عربي حنيف. إضافة لذلك يجد العرب في'الإسلام ملاذاً من الإحباطات السياسية الدولية منذ 'منتصف القرن العشرين وخاصة سياسة الولايات المتحدة الامريكية 'الشرق أوسطية والإذلال الإسرائيلي لكرامتهم.كذلك للبيئة الصحراوية القاسية الأثر الكبير على تمكين ثقافة الطاعة العمياء للسلطة من العرب حيث العصيان والصراع يؤدي إلى ضياع موارد القبيلة المحددة ،المياه منها خاصة. هذا إضافة إلى أن إيمان العربي القوي بالقضاء والقدر يبرر له الاعتقاد بأن الحاكم المسلم ولو كان سلطوياً ظالماً'ما هو إلا تعبير عن إرادة الله تعالى وقدرته على عباده.ولقد أفتى العديد من فقهاء المسلمين وعلمائهم على مر القرون كأبي حامد الغزالي (1058 ـ 1111) وبدر الدين'بن جماعة (1241 ـ 1333) وتقي الدين بن تيمية (1263 ـ 1328) بضرورة تقديم فروض الطاعة العمياء للحاكم حتى الظالم بحجة أن دهراً من الظلم أهون من يوم إقتتال واحد في حياة الأمة.بمثل هذه المستندات يتفنن الحكام العرب في إستغلال الإسلام'، فهم يدعون بأن النموذج الغربي للديمقراطية نموذج غريب على منطقة تحكم بمبادئ الشريعة الإسلامية، كما 'أعرب الرئيس المصري والملك السعودي في بيان مشترك لهما يوم 24 شباط (فبراير) 2004، وآخرون يستخدمون علماء الدين من رجالاتهم لحث المصلين في الجوامع والطلاب في'المدارس'وعامة الشعب من خلال وسائل الإعلام على طاعة 'ولي الأمر' العمياء لأن الطاعة ما هي إلا فرض من فروض الإسلام.هل من أمل نحو إصلاحات ديمقراطية في ظل هذا الوضع؟ الجواب يتطلب جرأة القول بضرورة مراجعة مفاهيم الحكم السياسي الدنيوي في الشريعة الإسلامية من منظور عصري حديث بحرية وبعقلانية منطق فلسفي دون ورع من إضطهاد المتاجرين بالدين من حكام وعلماء دين وأتباعهم من الغوغائيين في ظل قوانين التجديف والإرهاب. وإلا فلا أمل لنا في وضع حد لأنظمة حكم قبلية عائلية سلطوية غير ممثلة للشعوب'غارقة في المحسوبية والفساد مستغلة للإسلام لأجيال عديدة، ربما أبداً.رابعاً: يدفع الفقر في البيت العربي عامة'بالأب لأن يحول ابناءه إلى 'غطاء أمني' ليحميه من العوز في أيام الشيخوخه، ولتحقيق هذا الهدف يهدد الأب أبناءه بغضب الله إذا عصوا أوامره وأهملوا رعايته ما حدا بالكاتب المصري المشهور والحائز على جائزة نوبل للآداب وصف الأب في المنزل العربي على أنه أداة القمع المركزية في حياة عائلته.'أما في المدرسة يواصل المعلم ما بدأه الأب من إستخدام وسائل ترهيب لفرض سلطته. وما أن يصل الشاب العربي لوظيفته الأولى إلا وتكون ثقافة الطاعة العمياء قد أخذت منه وطغت على شخصيته. فطبيعة المدير السلطوية لا تختلف عن طبيعة الأب أو المعلم، وكيف لا؟ فالمدير ما هو الا نتاج ذات المجتمع والثقافة.كون معدلات البطالة في أسواق العمل العربية عالية يضطر الموظف العربي التذلل أمام رؤسائه وطاعتهم حفاظاً على وظيفة ترد رمقه.

 

'هل الديمقراطية الإسلامية ديمقراطية غربية؟تبنى قادة جماعة'الأخوان المسلمين مؤخراً مبدأ الإنتخابات البرلمانية، السؤال هنا هو التالي: هل'البرلمانية الإسلامية برلمانية في المفهوم الغربي؟'الجواب بالنفي لأن'السيادة في النظام 'الديمقراطي الإسلامي هي لله وحده في حين أن السيادة في النظام الديمقراطي الغربي هي للأمة وحدها ولأن'الديمقراطية البرلمانية الإسلامية يطغى عليها محكمة دستورية إسلامية مكونة من علماء دين غير منتخبين من الشعب لهم صلاحية نقض قوانين البرلمان الإسلامي في حال تعارض هذه القوانين مع المبادئ الشرعية.هل المحكمة الدستورية الإسلامية مماثلة للمحكمة الدستورية الغربية؟ مرة أخرى الجواب هو بالنفي لأن المحكمة الإسلامية تفصل حسب تفسير علماء الدين للشريعة في حين تفصل المحكمة الغربية حسب تفسير القضاة لقوانين البرلمان ودستور البلاد.'فشل مشروع واشنطن في دمقرطة الدول العربية دعمت واشنطن حكام العرب السلطويين على مدى عقود طويلة أملاً في'إحتواء الإسلاميين،''ولكن التقدم الذي احرزه الإسلاميون في جميع البلدان العربية التي أجرت إنتخابات بين عامي 2005 و2006 بايعاز وضغط من إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش تشير إلى أن 'الغزوة' الأمريكية وراء الإنتخابات قد إنتهت.في الأراضي الفلسطينية المحتلة فازت حماس بـ74 مقعداً من أصل 132. وفي العراق تمت إنتخابات 30'كانون الثاني (يناير) 2006 في موعدها دون تأجيل تحت'ضغط'آية'الله'العظمى'علي السيستاني حيث فاز أتباعه'بـ140 مقعداً من أصل 275 مقعداً، وفي إنتخابات 15 كانون الأول (ديسمبر ) 2005' فاز مرشحو السيد السيستاني بـ128 مقعداً.أما في'المملكة العربية السعودية فقد كانت إنتخابات مجالسها البلدية مسرحية مضحكة حيث كانت المرأة مستبعدة من التصويت، ناهيك عن الترشيح، وحيث كان نصف الأعضاء معينين من قبل السلطة في الرياض ودور المجالس هذه محلي إستشاري فقط.أما في مصر فكانت الإصلاحات 'الديمقراطية مليئة بالقيود المفروضة على المعارضة كان من نتيجتها ولاية خامسة للرئيس مبارك.'أخيراً، لم تتعزز الديمقراطية العربية قيد أنملة عندما إستسلم'العقيد القذافي، للضغوط الأمريكية.تعتبر حرب الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب عائقاً أمام تحقيق إصلاحات ديمقراطية في البلدان العربية لثلاثة أسباب، أولها حاجة واشنطن لتعاون الحكام العرب معها للقضاء على الجهاديين، وثانيها الخوف من أن أي إنتخابات جديدة قد وصل إسلاميون جدد لسدة الحكم، وثالثها الأضرار البالغة'التي لحقت بالعراق منذ عام 2003 من قبل الإحتلال الأمريكي بإسم الديمقراطية والتي أدت إلى كفر الجماهير العربية بكل ما يمت بصلة للديمقراطية وتشجيع من الحكام العرب. من المفارقة أن هذا الواقع الشاذ أضحى مصدر قوة للحكام العرب.

 

ما هو الحل؟

 

حيث أن من غير المرجح نمو الحكم الديمقراطي في البيئة العربية الحالية، فالبديل الأفضل هو وصول 'دكتاتور خير' لسدة الحكم نتيجة إنقلاب عسكري أو ما شابه. بإستثناء كون الدكتاتور الخير غير ممثل لإرادة الشعب من خلال إنتخابات حرة فمن شأنه أن يحقق منافع الحكم الديمقراطي من عدالة إجتماعية وتطبيق عادل للقوانين وحرية في التعبير (حتى ولو كان مخالفاً للخطاب الرسمي السياسي والديني) وإنهاء للطائفية والقبلية وإستبدال للفساد والمحسوبية بالكفاءة والأمانة. لاشك من أن مثل هذا التطور سيؤدي ايضا إلى نزع فتيل الغضب الذي يولد الجهاديين.

 

ما هو إحتمال إستبدال دكتاتوريات العرب الفاسدة بدكتاتوريات الخير؟الجواب هو أنه طالما أن الدكتاتورية الخيرة لا تتطور مؤسساتياً فليس هناك من نمط معين يمكن لنا التنبؤ من خلاله. فقد يصل إلى سدة الحكم دكتاتور خير من خلال إنقلاب'عسكري 'غداً، أو، قد لا يحدث مثل هذا 'الإنقلاب أبداً.'ديمقراطية العالم العربي ما هي الا محض خيال.

 

كاتب من سورية مقيم في لندن

 


 

الجذور التلمودية والقبالية اليهودية للتفكيك

 

د.بديع العابد

لقد استقر عند معظم النقاد الغربيين أن مصدر التفكيك هو اللاهوت اليهودي. وأكثر من ذلك أن المشتغلين بالتفكيك اعترفوا بأن مصدره اللاهوت اليهودي، وإن أنكر بعضهم يهوديته كدين، فإن اليهودية تبقى المحرك الوجداني لهم جميعاً. فالمصدر اليهودي للتفكيك حاضر وواضح، وليس بحاجة لإقامة الدليل عليه. ما ترمي إليه هذه الدراسة هو توضيح وتفصيل الحضور اللاهوتي اليهودي في الفكر المعماري والنقد الأدبي، الذي تغلغل إلينا من خلال المنتج الثقافي الغربي، فانتشر في ثقافتنا العربية انتشار النار في الهشيم. وذلك في محاولة للتنبيه على العدمية التي يتضمنها التفكيك لتجنبه فكراً وممارسة ولمنع استقراره كمكون في ثقافتنا وفكرنا المعماري تحديداً.

 

* التفكيك

 

من المتفق عليه أن التفكيك لا تعريف له، أي أنه غير مصاغ في منظومة فكرية، فلا يمكن تصنيفه كحركة فكرية نقدية، أو مدرسة، أو اتجاه، أو طراز معماري، ولا حتى منهج. لأن هذه المصطلحات والمفاهيم لها بنية فكرية وشروط تكوين وما يصنف تحتها من ظواهر يجب أن يمر بمراحل تشكل لبنيتها الفكرية وهي: أن يكون لها بداية، أي مشروع فكري تحت التأسيس، أن تمر بمرحلة تشكل فكري لهذا المشروع، إلى أن تصل لمرحلة تكوين المشروع، أي بناء الظاهرة أو المنظومة الفكرية. وهذا ما يتجنبه دعاة التفكيك لأنهم يعتمدون على "الاختلاف والإرجاء". فليس ثمة هدف منشود. فالاختلاف يوحي بانعدام المنهج، والإرجاء يشي بلا نهائية القصد، وبعدم الرغبة في الوصول إليه، لأنه أمر غيبي يتعلق بالإرادة الإلهية اليهودية، وبمجيء "الماشيح" (المسيح اليهودي) المخلص، ونزول الهيكل المزعوم. فمجيء المخلص سينهي الإرجاء، أي سينهي الرحلة اللانهائية للدلالات في تفسير النص أو النصوص ويستقر المعنى أو المعاني. ونزول الهيكل المزعوم سينهي حالة الفوضى والتخبط وانعدام الشكل في ممارسة عمارة التفكيك، وسيحقق إنتاج العمارة القادمة، مكتملة التكوين، ومنتظمة الأشكال، لأنها مرجأة، ولن تحقق إلا بنزول الهيكل المزعوم.إذن ماذا نسمي "التفكيك"؟ لنقل إنه نزعة إنتقامية تقويضية تدميرية، ترمي إلى الانتقام من الثقافة المسيحية الغربية وتقويضها بالدرجة الأولى، ثم من الثقافة العالمية ككل. والثقافة العربية الإسلامية ليست استثناء، فهي مستهدفة بالقدر نفسه بل أكثر، لأسباب تتعلق بالانتماء الديني، وبالصراع العربي الإسلامي من ناحية واليهودي من ناحية أخرى على فلسطين.إذن، التفكيك كنزعة انتقامية تقويضية تدميرية، توظف النقد لتفسير النصوص: الدينية، والأدبية والفكرية، والفلسفية، ونصوص الأدب المعماري، وبقية المنظومات الفكرية، تفسيراً تقويضياً هدمياً للمعاني والمفاهيم التي تتضمنها نصوص المنظومات المشار إليها لتدمير النظم: العقدية والعقائدية والمعرفية في العالم. وذلك على قاعدة أن النص يجب أن يستقر على تفاسير متعددة ولا نهائية، وبتعدد هذه التفاسير تتعدد الدلالات وتبقى الدلالة الحقيقية، أو المعنى مرجأً لحين مجيء المخلص.وفي العمارة، التي يشهد التقويض في ممارستها، أي إنتاجها، حضوراً أظهر من اللغة، عمد المعماريون اليهود إلى خلق فوضى تركيبية في تكوين الأشكال المعمارية من خلال خلخلة دلالات ومعاني العناصر المعمارية المكونة للأشكال، ومن ثم تقويض الأشكال المعمارية برمتها، فحيطان واجهات المباني "مطوية"، وأشكال الفتحات غير منتظمة، وأعمدة المباني معلقة وفي بعض الأحيان لا تصل الأرض، وأشكال المباني ككل تظهر وكأنها ركام ناتج عن دمار.ونزعة التفكيك هذه يهودية المنشأ، ابتدأت في النقد الأدبي على يد اليهودي جاك دريدا Jacques Derrida، وعرجت على العمارة وروج لها مجموعة من المعماريين اليهود الأميركيين، منهم بيتر أيزنمان Peter Eisenmon، فرانك جيري Frank Gehry ، برنارد تشويمي Bernard Tschumi، دانيال لبسكايند Danial Libeskind، ستانلي تايجرمان Stanly Tigerman. وانضم لهذه الجوقة الكثير من المعماريين الغربيين والعرب من راكبي الموجات ومتبني الصرعات الغربية. ولكن هذه المرة الصرعة يهودية، وتتعلق بالصراع على فلسطين. ولقد سيطرت هذه النزعة على المشهد المعماري العالمي منذ بداية ثمانينات القرن الماضي وحتى وقتنا الحاضر رغم حضور ما يسمى العمارة المستدامة والعمارة الخضراء.ولقد تعاون بعض المعماريين اليهود كأيزنمان وتوشيمي مع دريدا في تصميم مشروع متنزه دي لافليت، في باريس Parc Dela Villette, Paris ، ووظفوا مفردات التفكيك نفسها التي وظفها دريدا في النقد الأدبي، وزادوا عليها مفردات خاصة بالعمارة مثل: "الطوي" Folding، و"بين البينين" The Interstitial or The In Between، و"الصنمية" Idolization، و"العمارة القادمة" (المنتظرة) The Architecture of Becoming.ولقد وظف دريدا والمعماريون اليهود هذه المفردات المتوطنة في المفاهيم اللاهوتية اليهودية، كمفاهيم علمانية، حيث وجدت من بعض المتحمسين من النقاد الغربيين من يضعها في السياق التاريخي للعلمانية. واللافت أنه لم يتم الكشف عن يهوديتها إلا بعد أن استقرت في وجدان المشتغلين بالنقد كمفاهيم علمانية، أما بالنسبة للمعماريين، ورغم الإعلان عن يهوديتها مبكراً، إلا أنها ما تزال توظف في الممارسات المعمارية خصوصاً في عالمنا العربي.

 

* الدين اليهودي

 

اليهودية دين سماوي توحيدي، لكنه غير متجانس نظراً لاستيعابه عناصر دينية وطقوس عبادة بعض الحضارات التي تعايش معها اليهود: كالمصرية القديمة والكنعانية والبابلية، ونظراً لكثرة الخلاف بين أتباع هذا الدين وتعدد فرقهم ومذاهبهم. كما أن التناخ، الاسم العبري للعهد القديم، يتضمن نصوصاً تنفي صفة التوحيد عن الدين اليهودي وكذلك التلمود. من المتفق عليه وطبقاً للرؤيا اليهودية الحاخامية التلمودية أن النبي موسى تلقى توراتين أو شريعتين: مكتوبة وشفوية. والتوراتان أو الشريعتان تمثلان الأسفار الخمسة التي نزلت على النبي موسى، والتي تشكل القسم الرئيس من التناخ، وهو اختصار لثلاث كلمات عبرية؛ فالتاء من توراة، والنون من نفييم، أي الأنبياء، والخاء من ختبيم أي الكتب. ويتكون التناخ في مجمله من 39 سفرا، وهي: أسفار التوراة الخمسة، وأسفار الأنبياء الرئيسيين والثانونيين وعددها 23 سفراً، والأسفار التاريخية وعددها 11 سفراً. ولقد تبنته الكنائس المسيحية الرئيسية الثلاث: الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والبروتستنتية، بعد أن زادت عليه الكنيستان الأوليتيان 7 أسفار، تعرف بالأسفار المنحولة، ليصبح عدد أسفاره 46 سفراً، أما البروتستنتية فتبنته كما هو عند اليهود، أي لم تزد عليه أي سفر آخر. أما الشريعة الشفوية فهي الأسفار الخمسة التي تلقاها الحاخامات من النبي موسى، وشرحوها ودونوا شروحاتهم في التلمود، الذي يتكون من: المشناة، والجمارة. والمشناة هي تفسير وشروحات التوراة، والجمارة هي تتمة التفسير والشروحات. والحاخامات يعطون لأنفسهم سلطة وقداسة تتساوى بل تفوق سلطة الإله، وهذا النوع من الحلول الواحدي الذي يساوي بين الخالق والمخلوق، بل يتفوق المخلوق على الخالق قدرة. ولهذا جعل بعض الحاخامات من المشناة مرجعاً أقوى من التناخ (الوحي الإلهي)، لأن المشناة صورة متأخرة للشريعة جاءت متأخرة عنها على زعمهم.ثم تعاظم مفهوم الحلولية ليحل الإله في الإنسان ثم يحل في بعض الظواهر الطبيعية، ثم يحل فيها جميعاً، حتى يصبح حالاً في كل شيء (الإنسان والطبيعة) وأنه، أي الإله، لا وجود له خارجها، لكنه يظل محتفظاً باسمه. وهذه الظاهرة تعرف بـ"حلولية شحوب الإله". حيث تمحى الثنائيات، مثل: المقدس والمدنس، الخير والشر، الفضيلة والرذيلة... إلخ، ولا يبقى منها سوى الظلال أو الآثار والألفاظ. ثم تمحى الثنائيات تماماً ويختفي الإله، في "حلولية موت الإله" كما هو الحال في الحلولية الصهيونية باتجاهها العلماني الوثني التي تحل فيه الذات القومية محل الذات الإلهية.وضمن هذين الحلولين يظهر الحلول القبالي  Kabalaالذي يساوي بين الخالق والمخلوق. وفرقة القبالاة ظهرت في القرن الثاني عشر وسيطرت على المشهد الديني اليهودي في منتصف القرن السابع عشر، فشكلت الخلفية الدينية اليهودية في عصر الاندماج وهو عصر التنوير الأوروبي الذي سمح لليهود بالخروج من الغيتو والاندماج بالمجتمعات الأوروبية الغربية والإسهام في نهضتها الحضارية.ولقد لعب المفكرون اليهود دوراً مميزاً في علمنة الفكر الأوروبي مستندين إلى تجربتهم الحلولية الغنوصية التي تتحرر من قدرات الإله وسيطرته على الكون وتساوي بينه وبين المخلوق، وكان يحفزهم في هذا الأمر مجموعة عوامل أهمها: رغبة النخبة الأوروبية في التخلص من سلطة الكنيسة، والرغبة اليهودية في التميز المصحوبة بشهوة الانتقام من المجتمعات الأوروبية التي اضطهدهم طوال فترة الشتات. وسبب ثالث هو الحضور اليهودي في اللاهوت المسيحي، فالعهد القديم يشكل إلى جانب العهد الجديد الكتاب المقدس الذي يؤمن به المسيحيون، وسبب رابع هو ظهور الرأسمالية الأميركية التي تبنت العلمنة ونحت الكنيسة، فأتاحت فرصة لليهود لنشر أفكارهم والترويج لها بحرية أكبر لتساوقها مع المفاهيم العلمانية. كما أن الكنيسة البروتستنتية، وهي الأقوى حضوراً في الولايات المتحدة متحالفة مع اليهود، وتحديداً مع الاستيطان اليهودي في فلسطين، التي تتوافق مع رؤيا يوحنا اللاهوتي في العهد الجديد، التي تشترط وجود اليهود في فلسطين لمجيء "الميسيا" (المسيح المسيحي) لتحقيق الخلاص بعد انتصاره في معركة هرمجدون على قوى الشر.ضمن هذا النشاط الفكري طرحت اليهودية نزعة ما بعد الحداثة، التي مهدت بها لنزعة التفكيك، التي بدأت في النقد الأدبي في ستينيات القرن الماضي، وفي العمارة بعدها بعقدين من الزمان، أي في ثمانينات القرن الماضي. مستندة في ذلك إلى الطروحات الحلولية اليهودية وأهمها الطرح القبالي، الذي يقرب المسافة بين الإنسان والخالق إلى حد إلغاء الخالق. وهذا يلتقي مع الطرح الصهيوني في لاهوت موت الإله الذي يقابله "لاهوت البقاء"، أي بقاء "الشعب" اليهودي.الطرح القبالي يعتبر التوراة مخطط الإله للخلق، وكل كلمة فيها تمثل رمزاً، وكل علامة أو نقطة تحوي سراً داخلياً، ومن ثم تصبح النظرة الباطنية الوسيلة الوحيدة لفهم أسرارها.وطبقاً للقبالاة فإن التوراة كتبت بنارٍ سوداء ونارٍ بيضاء على ورق أبيض، وإن النص الحقيقي هو المكتوب بالنار البيضاء. وهذا يعني أن التوراة الحقيقية مختفية على الصفحات البيضاء لا تدركها عيون البشر. كما يقول القباليون أن الأبجدية العبرية تنطوي على معان خفية، لا يعرفها إلا الخبيرون بالقبالاة. وبذلك تصبح كلمات التوارة مجرد علامات أو دوال، تشير إلى قوى ومدلولات كونية وبنى خفية يستكشفها مفسر النص ويشكلها بحسب هواه، فالتوراة بها 600 ألف معنى أو وجه. فالمفسر يستنطق ويفسر التوراة وفق ما يريد من مدلولات. وهذا يعني موت النص وسيطرة المفسر ومولد الناقد وهيمنته، واختفاء الحدود، وتلاشي المقدس، ولا نهائية الدلالات. وهذا أكبر مصدر للتفكيك، فمن هنا جاءت المفردة الفرنسية  Ladifferance  التي نحتها دريدا، والتي تعني "الاختلاف والإرجاء"، لأن كل دال يختلف عن الدال الآخر ومع هذا فهو على صلة مع كل الدوال الأخرى، إلا أن معناها النهائي مرجأ، لكن آثاره قائمة، فهو حاضر غائب، ومن هنا أيضاً جاءت مفردة الآثر Trace في التفكيك. كما يمثل الموقف القبالي مفهوم الحاضر الغائب The Presence Absence. وهذه نفسها تمثل جزءاً من مفردات التفكيك بالعمارة، فالأشكال المعمارية يجب أن تكون مختلفة، تمثل الحاضر الغائب بأشكالها المختلفة غير المنتظمة التي ستنتظم في مرحلة لاحقة، وهي ما يسميها المعماري اليهودي بيتر أيزنمان "العمارة القادمة أو المنتظرة" The Architecture of Becoming، التي ستكتمل عند نزول الهيكل المزعوم من السماء، بحسب نبؤة خرقيال.وتتواصل القبالاة في طرحها الحلولي لتشخص الواقع اليهودي، وعلاقة اليهود بالإله اليهودي ضمن ثلاثة مراحل هي:

 

- الانكماش، تسيم تسوم Tizm Tzum

 

كما وردت في المدراش، قبل القبالاة، تعني انكماش الإله حتى يدخل غرفة قدس الأقداس في الهيكل المزعوم، حيث يخترق السقف من لا فتحة، ثم يجلس على مقعد الرحمة الذي هو غطاء تابوت العهد ليسكن مع "شعبه". ثم وسع اسحق لوريا Isaac Lauria في القبالاة هذا المدلول الحلولي، ليصبح الانكماش هو انكماش الخالق إلى نقطة داخل نفسه، ثم تصدر عنه التجليات النورانية العشرة وتتم عملية الخلق. ومن منظور لوريا القبالي أن الخالق كان يملأ الوجود، باعتبار أن الذات الإلهية لا نهائية ولا تقبل التجزئة، ولكي يتم الخلق كان لا بد أن تنكمش هذه الذات لتسمح بمكان للكون وموجوداته من المخلوقات. وهناك رأي آخر يذهب إلى أن الأنكماش هو محاولة من جانب الخالق لا لخلق فراغ وحسب، وإنما لتطهير ذاته التي كانت تضم عناصر غير إلهية، وأن عملية توحد الذات الإلهية وتخليصها مما بها من أدران ما هي إلا عملية تاريخية تستكمل في نهاية التاريخ، وهذا يتصل بمفردة إلا رجاء في التفكيك.كما أن الانكماش في التفكيك يمثل الاختفاء أو الغياب الكامل للإله الذي يعقبه الحضور الكامل وصدور التجليات النورانية. فالانكماش (التسيم تسوم) يمثل مفهوم الحاضر الغائب في اللاهوت اليهودي الذي يشكل بدوره مفردة أساسية في نزعة التفكيك. ويعقب حالة الانكماش هذه حادثة تهشيم الأوعية.

 

- تهشيم الأوعية، شفيرات هيكليم، Chevirat Hakelim

 

 وهو مفهوم أساسي في القبالاة، وتقع هذه الحادثة أثناء عملية الخلق، حيث تخرج من عيون الإنسان الأصلي أشعة النور الإلهي على شكل شرارات كان من المفترض جمعها في أوعية، لكن هذه الأوعية كانت أضعف من أن تتحمل هذا النور، فتهشمت وتبعثرت.هذه الحادثة فكرة حلولية ترمز إلى الشتات اليهودي. وهي الحالة التي يريد دريدا وغيره من النقاد والمفكرين والمعماريين اليهود، فرضها على البشرية من خلال التفكيك، انتقاماً من الإله "المسؤول عن تشريدهم"، وانتقاماً ممن ساهم أو سكت عن تشتيتهم. ومن هنا جاءت مفردة الإرجاء في التفكيك، وارتبطت بانتهاء حالة الشتات والتئام شمل اليهود في فلسطين بمجيء "الماشيح" (المسيح اليهودي) المخلص عندما يحل الإنسان اليهودي في الإله ويسيره طبقاً لرغباته. هذا المفهوم الحلولي أخذ صورة أكثر إغراقاً في الحلولية عند الحركة الصهيونية التي تتبنى حلولية "شحوب الإله" حيث يتوحد الإله مع المادة ("الأرض المقدسة – الشعب المقدس") ثم يضمر ويشحب ويصبح لا أهمية له، لتنتهي حلولية الصهيونية من دون إله. والصهيونية هي التي أخذت على نفسها تحقيق "الخلاص"، فعهدت لنفسها القيام بدور البقية الصالحة المناط بها تحقيق عملية إصلاح الخلل الكوني الناتج عن تهشيم الأوعية والمعروفة بالتيقون (الإصلاح).

 

- إصلاح الخلل الكوني – التيقون Tikkun

 

إصلاح الخلل الكوني أو الخلاص في الغنوصية هو عودة الإنسان باعتباره شرارة إلهية إلى الواحدية الإلهية، وعودة الشرارات هو كمال للذات الإلهية وخلاص لها، لأن الإله مشتت كاليهودي طبقاً للقبالاة، لأن في خلاص الإنسان خلاص للإله. وهذا أيضاً مفهوم الخلاص أو الإصلاح عند القبالاة، أي عودة الإنسان إلى بداياته النورانية وعودة "الشعب" اليهودي إلى أرض الميعاد والتحامه بها. وهي عودة تعني أن الإله ينهي حالة تبعثره ويعود لوحدته الأصلية.والخلاص عند الغنوصيين يتم لا بالتوبة والغفران وإنما من خلال البحث عن الصيغ السحرية المناسبة، فلا وجود للأخلاق في عالم الخلاص. وتتبنى القبالاه هذا المفهوم، فهي تهدف إلى حل الطلاسم وكلمات التوراة بالجيماتاريا  Gematria(أو الجمترة كما يسميها السمرة في مدينة نابلس- وهي نظام يحدد قيمة رقمية لكل حرف في اللغة العبرية)  للوصول إلى الخالق، وإلى التوراة الخفية، أي الغنوص الذي عن طريقه يمكن التحكم في العالم. والإصلاح يتم من خلال إتباع اليهود الأوامر والنواهي التي تحولت إلى شعائر مجردة تشبه التعويذات، وما يهم فيها هو طريقة أدائها لا مضمونها الأخلاقي. لأن المضمون الأخلاقي طمس تماماً وحل محله مضمون ميتافيزيقي بغير أخلاق. فالإصلاح يهدف إلى تقريب اليهود إلى الخالق للتوحد معه لكي يصل إلى وحدته لكي يتم التحكم فيه وتوجيهه ليتحقق الخلاص. وهذا يعني أن الإرجاءَ قائمٌ ما دام الخللُ الكونيُّ قائماً. وأن لا نهائية عالم الدلالات قائمة ما دام الخلاص غير محقق، وأن المعنى لن يكتمل ما دام الإله مبعثراً وغير متحدٍ، وأن العمارة تبقى فاقدةً لتمامها، واكتمالها، وانتظام شكلها، حتى يتحقق الخلاص وينزل الهيكل المزعوم في المكان الذي يحدده الإله. عندها ينتهي الشتات، ويعود الوضع إلى المرحلة الأولى، مرحلة الانكماش التي تمثل الاستقرار واتحاد الإله مع "شعبه" أي مع اليهود. وبنزول الهيكل المزعوم يتحدد المكان فتنتهي حالة "الطوي" في العمارة (وهي ثني خيمة الاجتماع – معبدهم المتنقل في التيه – ونقلها من مكان إلى آخر). فالخلاص هو الاستقرار في المكان وارتباط الإنسان به، وهذه الحالة لا يعرفها اليهود، لأن التوراة نزلت في لا مكان، واليهود على مدى تاريخهم، إن كان لهم تاريخ، لم يستقروا في مكان، فلم يحققوا أي حضور جمعي ودائم في المكان، حتى أنهم لم يتركوا أي أثر Trace في أي مكان. فخيمة الاجتماع تطوى وتتنقل معهم في حلهم وترحالهم، وهيكلهم المزعوم ليس سوى نبؤة، لا وجود له على أرض الواقع، ومن ثم فلا آثر له. فعمارة الهيكل المزعوم حاضرة في آمالهم وأذهانهم كنبؤة، وغائبة كحقيقة مادية وميتافيزيقية، ولن تتحقق إلا بالخلاص الموعود. وبصرف النظر عن صحة أو وهم الخلاص، فالعمارة كحقيقة مادية وميتافيزيقية في النزعة التدميرية التقويضية التفكيكية اليهودية، حالة مرجأة، منتظرة وقادمة. ومن هنا نحت المعماري اليهودي الأميركي بيتر أيزنمان مفردة "العمارة القادمة" Becoming The Architecture of

 

كما أن بقية المفردات التي وظفها دريدا في النقد الأدبي، مستقاة من اللاهوت اليهودي، خصوصاً مفردة الأثر المرتبطة بالنص في النقد الأدبي، وبالمكان في العمارة. وتفكيك العمارة يفرض اختصار حضورها، وحضور عناصرها المكونة لها، في المكان إلى أثر. هذه النزعة، أي التفكيك، تمثل حقيقة معاشة في الوجدان اليهودي. فالمراحل الثلاث تحدد علاقة اليهود بالإله من وجهة نظر فرقة القبالاه. فمرحلة الانكماش تمثل وحدة الإله مع "شعبه" أي اليهود. والمرحلة الثانية تهشيم الأوعية، ترمز إلى غضب الإله على "شعبه" وتخليه عنهم والتسبب في تشتتهم، عقاباً لهم على عصيانهم. والمرحلة الثالثة، الإصلاح، تمثل حالة مرجأة لإعادة ترتيب العلاقة بين الإله واليهود طبقاً لأنساق حلولية متعددة، أقواها وأظهرها حضوراً الحلولية القبالية، التي تقول بوجود بقية صالحة في اليهود ستقوم بترميم العلاقة بين اليهود وإلههم، ولكن بعد تجريده من قدراته وتمكين اليهود من استغلالها لصالحهم وتوظيفها لتحقيق الخلاص.اللافت للنظر أن الحركة الصهيونية تبنت مفهوم البقية الصالحة، وأخذت على عاتقها تحقيق الخلاص، بعد أن تبنت لاهوت موت الإله أو يهودية من دون إله، والمفهوم الدارويني "البقاء للأصلح" النابع أصلاً من المفهوم اليهودي للبقية الصالحة. وعمدت إلى تنفيذ مخطط الخلاص والعودة إلى فلسطين، دون أي اعتبارات أخلاقية أو أي التزام بالمواثيق والشرائع الدولية، وخلافاً للفرق اليهودية الأرثوذكسية التي تنتظر مشيئة الإله لتحقيق الخلاص، وإعادة وحدة الإله مع "شعبه".وضمن هذا التناقض في تحقيق الخلاص، وتحقيقاً للرغبة اليهودية في الانتقام من مضطهِديهم، فإن نزعة التفكيك تكون قد دمرت وقوضت ثوابت منظومة الإيمان وما تتضمنه من قيم وأخلاق ومعانٍ، واختزلت العمارة إلى أثر وأفرغتها من حقيقتها المادية والميتافيزيقية. 

 

  free counters

 

"هنري جيمس يذهب إلى باريس" ويحسن "ميلودراما الوعي" في قصصه

ترجمة: موفق ملكاوي

في العام 1875 انتقل هنري جيمس من نيويورك إلى شقة فاخرة في ريو دي لوكسمبورغ في باريس. وقد كان مسرورا لهروبه مما عدّه عدم تقدير، ومن الحياة الاجتماعية الأميركية غير الغنية.وبعد سنة، استعدّ للانتقال إلى لندن، حيث عاش السنوات العشرين التالية. كتب إلى أخيه وليام حول سأمه وخيبة أمله من باريس، يقول بأنّه "لم يحصل منها على شيء مهم". وفي العام 1881، وفي مستهل دفتر ملاحظاته، رأى جيمس تلك السنة بشكل مختلف: "إنه وقت لا يمكن أن يكون مبددا على الإطلاق".إن كتاب بيتر بروكس يوضح أن تلك السنة في باريس لم تكن وقتا غير مبدد فقط، وإنما كانت حاسمة في التطوّرات التالية في قصة جيمس. لقد قام بتقصي ردود فعل جيمس المريبة والعدائية من حين لآخر على المشهد الثقافي الباريسي في العامين 1875 و1876، ولذلك يؤكد بروكس بأن جيمس تأثر بالانطباعية التصويرية الفرنسية، إضافة إلى تأثره بالواقعية والطبيعية في الأدب هناك، ما أسهم في تطوير ما يدعوه بروكس "التجريب الراديكالي" والتجريب السردي في قصته في تسعينيات القرن التاسع عشر وما بعدها.في مقابلة نشرت في العام 1994، تحدث بروكس عن "إغراء" كتابة سيرة ذاتية لعلم أدبي. وهو يعتقد بأن السيرة الذاتية "كانت أحد الأشكال القليلة التي يمكن للناقد الأدبي أن يستعملها في ثقافتنا، للوصول إلى جمهور كبير.إن "رحلة هنري جيمس إلى باريس" بعيدة عن السيرة الذاتية لجيمس، فلا يوجد سوى الفصل الأول الذي يكرّس لأخبار قصة تلك السنة، ورغم ذلك فتصميم الكتاب كسيرة جاء بشكل واضح لربح عدد أكبر من الجمهور، أكبر مما نتوقعه من كتاب نقدي يتناول تجربة جيمس.

إن أحداث سنة جيمس في باريس تنطوي على أهمية كبيرة، وتتضمّن علاقاته العادية، والاستقبال الجليدي لجيمس من قبل فلوبير ودائرة معارفه، خصوصا بعد أن ارتكب جيمس الذنب الكبير بإظهار إعجابه بقصة غوستاف دروز، إضافة إلى صداقة جيمس الكئيبة وغير المحتملة مع سي إس بيرس الذي نسيه جيمس حالما حصل على أصدقاء جدد في باريس؛ ويقظته المذعورة في حضور إيفان تورغينيف، الذي وقّره جيمس كإنسان وكروائي.اعترف جيمس لوليام بأنه من غير المحتمل أبدا بأن يتعمق بالمشهد الأدبي الفرنسي؛ لكنه كتب إليه أيضا عن صداقته العميقة مع الفنان الروسي بول تشوكوفيسكي، وهي صداقة يمتحنها بروكس مع بعض التفاصيل في هذا الكتاب، فارتباط جيمس بتشوكوفيسكي كان قويا.القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، على أية حال، تكمن في تقييم بروكس للتأثير المتأخر للثقافة التجريبية الفرنسية على قصة جيمس. إن بروكس يكتب بوضوح وثقة تميز بهما منذ وقت طويل سابق خلال أعمال نقدية مؤثرة جدا، مثل: الخيال الميلودرامي (1976)، وقراءة المؤامرة (1984). ومركزية حججه في قراءاته الممتدة على روايات كثيرة، مثل "الإلهام المأساوي"، تنطلق من أرضية أن جيمس يحتفظ دائما باعتقاد كبير للقيمة التمثيلية - كما في "القدر الذهبية" - بالرغم من التجريب المتحرر في قصصه المتأخرة.

إن تركيز بروكس متغاير على السطوح وانطباعات التقنيات "الفلوبيرية" القصصية، وذلك من خلال التزام جيمس بالشكل "البلزاكي" للتمثيل، والذي كان "أقل اهتماما بالتفاصيل الحقيقية مما يبين، وأقل ربطا بسطح الأشياء مما هو مقترح".يجادل بروكس بأنّ تقنيات تجريبية ثمينة في القص مثل تلك التي اكتسبها جيمس في فرنسا، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في تسميته ليس روائيا "انطباعيا"، وإنما "تعبيري"، ويعطي بروكس التعريف المقترح والمتخصّص على أنه: "الجهد لجعل منتوج السطح شيئا مختلفا تماما عن السطح". ووفقا لذلك، فإن فلوبير يكون الرقم الصعب ومركز الإثارة بالنسبة إلى جيمس.إن معالجة بروكس لموقف جيمس نحو أعمال فلوبير، حادّة ومهمّة، فاحترام جيمس المخلوط بالعداوة لفلوبير أوجد تعليقات حرجة على مرّ السنين، يقفز أحدها على الفور من تعليقات ادموند ويلسون في مقالته عن جيمس في "المفكرون الثلاثة" (1938)، وفي الوقت نفسه فإن جيمس دائما اتهم باطلا بالإخفاق في فهم مبادئ فلوبير الكتابية وطرقه. ويعترف بروكس بأنه يحس بأن جيمس كان محبطا من فلوبير لرفضه الاندراج في طريقة جيمس في كتابة رواية الوعي.لقد امتلك جيمس تقديرا عاليا لفلوبير كصاحب أسلوب وكفنان كرس حياته لحرفته؛ لكنّه اعتقد أيضا بأنّ قصته كُسِرت من قبل ما دعاه "العيب أو الخلل" في رأيه، وهو يعتقد بأن الشخوص التي تمتلك ذكاء محدودا وعواطف سطحية، مثل إيما بوفاري، وفريدريك بورييه كانت كافية لتحمّل عبء قصصه ذات القيمة الأخلاقية.إن ما يحاول بلوغه بروكس هو أن جيمس لم يخفق في فهم مبادئ فلوبير، وبالاعتماد على عمله على جيمس وفلوبير في كتابه السابق "رؤية واقعية" (2005)، يعكس بروكس هذا الطرح المألوف والحرج بنجاح، وذلك من خلال اقتراح بأنّ كره جيمس برّر فهمه لمبادئ فلوبير، ومن ذلك تعليقه على "Bouvard et Pecuchet"، بأنها قصة بلا حافز، و"عملية تصميمية"، استغرقت طرق فلوبير الوصفية، وأنها كانت "هدّامة بشكل كبير لمشروعه الخاص في الرواية".إن جميع الميول التحليلية النفسية لنقد بروكس، تعتمد على قراءة جيمس النقدية للأشكال المختلفة عند فلوبير:

الأمر الأول، تمييزه بين "العملية التصميمية" الموجودة في طرق فلوبير الوصفية، وبين تقنيات "الرمزية العالية" لجيمس، والدعوة إلى مقارنتهما بمفهوم جيمس وودز بـ "الواقعية الهستيرية" في القصة المعاصرة. إن وودز يجد القليل من القيمة الأخلاقية والدلالة في المعلومات المتخمة، وفي التعيلم الغريب الذي تم تقديمه مثلا من قبل روائي مثل توماس بينكون.إن موقف وودز من بينكون مشابه وعلى نحو مدهش لما يقتنع به بروكس من موقف جيمس نحو "Bouvard et Pecuchet". أما الأمر الثاني، فهو انطباع بروكس بأن جيمس اعتقد بأن أدب فلوبير كشف عن "قلة احترام للحياة، وقلة سعة القصة لتمثيل الحياة"، والتي تبدو لتصوّر جيمس كما لو أنه مؤمن

 بـ "الليفايسايتية"(1). تقييم بروكس دقيق، فقلق جيمس الدائم في نقده الأدبي، والطريقة التي يتعامل فيها مع أي تجربة تعترضه خلال الرواية، وعدم قناعته النسبية بأهمية المهارة الأسلوبية الفنية وحدها، كانت بشكل واضح  من التأثير العظيم لـ "الليفايسايتية".في الحقيقة، إن حجّة بروكس، هو أن هذا العمل الذي يقترح رفع جيمس على أرضية التقليد العظيم لـ"الليفايسايتية"، يثبت بأن جيمس كان قادرا على "دمج الدروس النظرية من فلوبير مع رؤية أخلاقية تستدعي تقليدا للرواية، مختلفا كليا، وربما يكون من تأثيرات أسلوب جورج إليوت".في كتابته مايسي بروكس يأتي جيمس إلى الخاتمة التي تؤكد بأنه بقي ملتزما بتمثيل المعرفة المكتسبة واشتقاق المعنى. على أية حال، نحن قد نستجوب هذه الرؤية من التزام جيمس بالمعرفة. إن الشروط المتميّزة جدا لتلك الرواية - تلك التي استحضرت بالتمثيل على ما دعاه جيمس "عقلا ناميا" - يجب أن لا تصرف انتباهنا عن الطريقة التي يتم من خلالها إبراز أمر شديد الأهمية لتوظيف جيمس للوعي العاكس في قصته: ذلك التقبل والإدراك يقيمان أكثر من المعرفة والفهم. في تقديمه لمايسي، كتب جيمس أن مايسي "يرى" - وفي تقديمه لكتب لاحقة استخدم جيمس المفردة نفسها، مثل تقدماته لرولاند مالليت، كريستوفر نيومان، إيزابيل آرشر، وميرتون دينشير -  كتابة جيمس كانت ببساطة "تمثيلا للرؤية الساكنة"؛ إن قدر لامبيرت ستريثير، متوافق مع هذه الرؤية، فهو "في كل الأحوال يرى".إن النوعية الضرورية للوعي العاكس، ثمّ القدرة على الرؤية المتميّزة جدا، يلغيان أيّ متطلب لـ"الفهم" أو لـ"المعرفة". وهذا يعني أن الحسّاسية للتجربة المعقّدة، قيمتها تتحدد ليس من تحويلها إلى المعرفة أو إلى الفهم، ولكن بالتأكيد، من تقبلها للتجربة نفسها، والتي تصدر عن البراهين المشرقة والواضحة لبعض التأثيرات العاطفية جدا على الوعي العاكس.

إن حسابات بروكس تغطي ما هو تجريبي وتقدمّي في قصص جيمس. ولذلك فقد كان جيمس روائيا راديكاليا بدرجة أكبر مما سمح له بروكس بأن يكون.إن بروكس أقل حدّة من العديد من الدارسين السابقين لجيمس فيما أسماه في أكثر من مناسبة: العناصر "غير النقية" للقصة الفرنسية. ومع ذلك، فموقف جيمس ما يزال يُقدّم هنا على أنه شيء محرج. لكن وإذا كان أملنا قد خاب من تفضيل جيمس لـ "دروز" على "دوديت" في العام 1876، فنحن ربما نحترم إصراره أيضا على تمسكه بهذا الاعتقاد أمام احتقار دائرة فلوبير، فعناد جيمس كان أكثر أهمية من فكرة بروكس بأنّه "يفقد الأشياء بسهولة".

وأكثر أهميّة من تفضيل "دروز" كان اعترافه في العام 1876، عندما كتب إلى وليام جيمس، بأنه "يتحول إنجليزيا في جميع الأرجاء". إن إيمان جيمس في الثقافة التي أنجبت جورج إليوت كان أكثر من ردّ فعل ضدّ فلوبير وجماعته، فذلك الإيمان كان حيويا ومتجذرا جدا في إحساس جيمس نفسه كروائي ضمن التقليد الإنجلو - أميركي.وفي اعتقادي أن بروكس يستنتج بشكل صحيح بأن جيمس بقي ملتزما بالأهمية والقيمة الأخلاقية في قصصه المتأخّرة؛ لكن فكرته عن جيمس بأنه "يفقد الأشياء بسهولة"، تبخس من أهمية ذلك الالتزام بالنسبة إلى جيمس.عموما، فإن قراءات بروكس المفصلة لقصص جيمس مقنعة جدا، وتقديراته لـ "الانعطافة" الميلودرامية، في (الأميركي) - الذي كتبه جيمس أثناء سنته في باريس - و"ميلودراما الوعي" التي يراها في (القدر الذهبية)، هي تقديرات منصفة وناجحة، وقد حسنت من كتابته حول جيمس والخيال الميلودرامي.وفي جميع صفحات كتاب (هنري جيمس يذهب إلى باريس)، يعرض بيتر بروكس موضوعه بحنكة وإشباع، وهي الصفات التي جعلت منه واحدا من أهم الدارسين للقص الواقعي في القرن التاسع عشر، وهو يقدم في هذا الكتاب قيمة استثنائية لجرأة هنري جيمس، وأهميته كروائي.

*ماثيو بيتيرز، وهو يعكف الآن على كتابة أطروحة دكتوراة في جامعة كامبردج حول هنري جيمس.

* ملحق التايمز الأدبي TLS

   (1) تنسب الى F.R Leavies الذي وضع نظرية لإبراز ما يعتقده بالأدب الإنجليزي الممتاز

mwaffaq.malkawi@alghad.jo

الإقصاء والنفي والاغتراب بصفتها شروطا للكاتب المعاصر

"المنفى لا يكون اختياريا حتى لو لم يتعرض المنفّي للإقصاء المباشر"

علاء الدين أبو زينة

لا يمكن الزعم بأن حالة المنفى، التشرد وفقدان الوطن، هي حالة طبيعية. إنها تجربة تنطوي على الكثير من الألم والفجيعة. لكن هناك الكثير من المفارقات التي يفرزها الاشتباك بين مشاعر الاغتراب وبين الرغبة الإنسانية الغريزية في تحقيق الذات وتأسيسها. على الصعيد العملي، يحقق المغتربون في الدول الغربية، على سبيل المثال، منجزات مهمة في شتى ميادين الإنتاج المعرفي، مدفوعين بالرغبة في البقاء في المحيط الغريب، والعثور على حيزهم الخاص في الثقافة المضيفة. ونسمع كثيراً عن أسماء من كبار الجراحين والفنانين ورجال الأعمال البارزين في الشتات، والذين ربما لم يكونوا ليحققوا نجاحاً مماثلاً في مجتمعاتهم الأصلية. ويمكن أخذ الحالة الفلسطينية مثالاً، حيث وجد أبناء المهجرين أن التعليم هو الطريق الوحيدة لاستعادة المعنى الوجودي، فتميزوا. ولا ينفصل ذلك في العمق عن الاشتغال بالثقافة، حين يكون المجال الحيوي للمنفيّ هو الإبداع الفني والاشتغال بالإنتاج الثقافي. ولست أميل هنا إلى تسمية المثقف الذي يعيش في الغرب بالمغترب، أو أديب "المهجر"، وإنما إلى اعتباره "منفياً"، بالمعنى الحرفي للمفردة، سواء كان ذلك المنفى قسرياً أم مفروضاً على الذات من الذات.

إن المنفى لا يكون اختيارياً بعد كل شيء، حتى لو لم يتعرض المنفي للإقصاء المباشر تحت تهديد قوّة واضحة ما، ذلك أن المنفى "الاختياري" –الذي يسمى الهجرة- عادة ما يكون حصيلة لشعور بانعدام الأمان، والاغتراب عن المكان، والرغبة في اللجوء إلى حيز أكثر توافراً على الإمكانات والفرص. وبعيداً عن الارتحال البدوي بحثاً عن الماء والعشب، نشطت حركة الهجرة بعد عصر الإمبراطورية وتحرر المستعمرات القديمة من الوجود الكولنيالي المباشر في حقبة انحسار الإمبريالية في القرن الماضي. وكان من أسباب حركة الهجرة الكثيفة التي وسمت الحقبة المصطلح على تسميتها "ما-بعد-الكولنيالية"، وقوع الكولنياليين (أي الأفراد الذين كانوا تحت الاستعمار الراحل) في شباك الثقافة الغازية، إلى درجة انقطاع الكثير من صلاتهم بجذور ثقافاتهم المحلية، وضيقهم اللاحق بالسمات المختلطة والمربكة لمجتمعاتهم المحررة حديثاً، والتي تُركت لتدبر أمرها وحيدة، وفاقدة للوجهة. مثل هذا الواقع، دفع بالكثير من المثقفين، مع غيرهم، إلى الارتحال من "هامش" العالم إلى "المركز"، حيث لا توجد صورة عن حضارة الغرب (المثالي) فحسب، وإنما يوجد الأصل نفسه. لكن عملية الارتحال هذه لا تتسم عادة بحسن التخلص، والانتقال السلس إلى أحضان الثقافة المستضيفة. فبقدر ما يكون الموطن الأصلي المشوه بيئة طاردة، بقدر ما قد يكون الموطن الجديد المقصود بيئة رافضة. وبهذا يصبح المثقف المنفي في المنطقة التي يسميها الناقد الهندي فارسي الأصل هومي بابا Homi Bhabha  "الحيز الثالث".

حسب فهم بابا، فإن المنفي لا يكون هو نفس تلك الذات الواقعة تحت الاستعمار بعد رحيل الأخير، ولا هو الطرف المستعمِر، وإنما يصبح كينونة ما بينهما. إنه لم يحتفظ، موضوعياً، بصفاته الأصلية بفضل تأثير الثقافة الاستعمارية المهيمنة، وهو لا يستطيع أن يصبح، موضوعياً أيضاً، مطابقاً للمستعمر ومستنسخاً منه، لأسباب جينية وعرقية على الأقل. إن المثقف المنفي في هذا الموقف يكون في منطقة "الما-بين"، في "الليمبو"، في منطقة "بين الثقافات". وهي منطقة تنطوي على الكثير من المفارقات.

بالنسبة للمثقف، تكون مهمة خلق الهوية عملية مضاعفة. إن عليه أولاً أن يخلق هويته الشخصية، كفرد، وأن يضع نفسه ضمن كلّ يتشارك في خصائص ثقافية مخصوصة. وعليه ثانياً أن يخلق هويته الإبداعية، باعتباره مبدعاً بالإمكان، والذي يبحث عن حيز لصوته وحرفته. وفي حالة المثقف، يتأثر المستوى الأول من الهوية بالمستوى الثاني حتمياً، حيث يمكن أن تتحقق الذات الفردية بتحقق الذات الإبداعية. وبهذا المعنى، تكون الكتابة بالنسبة للكاتب جزءاً من عملية البحث عن الهوية، أو الانتماء إلى المكان، أو تكون كل هذا المسعى برمته.

على الرغم من تنوع مستويات الهوية، وعلاقتها بالجماعات والمجتمعات والثقافات، بل وحتى الأنواع، فإن ما يهمنا هنا هو الهوية على مستوى الفرد، من دون أن ننسى، في حالة المثقفين، أنها تتقاطع مع الهوية على المستويات الأخرى. ومع ذلك، يطرح مفهوم الهوية على المستوى الفردي بعض الأسئلة المهمة، مثل: كيف يعطي الأفراد معنى لخبراتهم ويكيفون حيواتهم في مجتمع كوني دائم الحراك؟ ما هو المنطق، أو ما هي الديناميات الكامنة وراء ظهور فروقات اجتماعية مختلفة وبنى هرمية، وحيازة القوة، وتأسيس الأعراف الاجتماعية. هذا هو السبب في أن الهوية كانت، وما تزال، عنواناً يخضع نفسه للباحثين في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في العالم الأكاديمي. ورغم الشك المتعلق بالاستخدام المراوغ، بل وحتى الغرائبي لمفهوم الهوية، فإنه يظل من الصعب إنكار أهمية الحقائق النفسية والسياسية التي تساعد في كشف النقاب عنها. ويظل من شبه المؤكد أن "البحث عن الهوية" يظل يشكل واحداً من الخطوط المتعددة التي تقوم على أساسها بنية المجتمعات، وهو بحث يرتكز على الاستراتيجيات التي يتبناها الأفراد لتمييز أنفسهم، ووسم أنفسهم بها اجتماعيا، ويموضعون بها أنفسهم، استراتيجياً، ضمن كل اجتماعي.

في العالم المعاصر، تشكل بطاقة الهوية أبسط أشكال ادعاء الهوية. وهي الخطوة الأولى التي يكون بها الفرد حاضراً، رسمياً، في العالم المعاصر. وهكذا، يفتتح الشاعر الفلسطيني محمود درويش عملية تأسيس هويته الفلسطينية المهددة تحت الاحتلال بعبارته الشهيرة: "سجل، أنا عربي/ ورقم بطاقتي خمسون ألف". ويذكر إدوارد سعيد هذا المقطع بشكل خاص بينما يعلق على درويش: ".... لقد تحدث عن الثيمات الوطنية، وفوق كل شيء، تأكيد الهوية الفلسطينية". (الثقافة والمقاومة). هذه هي نقطة الانطلاق، حيث يكون الفرد قادراً على قول: أنا هنا، موجود ومسجل. وفي حالة الهويات المهددة في العالم ما بعد الكولونيالي، يكون خلق الهوية، على مستوى ما، خلقاً لرواية. إن هوية الإنسانية والإنسان، كمفهوم وكيان، كانت قد بدأت بحكاية: سفر التكوين. كما أن هوية كل فرد هي حكايته الشخصية، وهوية كل أمة هي روايتها الجمعية، وهوية كل كاتب هي حكايته الإبداعية. وبالنسبة للمبدع المنفي، تكون الحكاية مهمة بشكل مضاعف. إنها طريقة لخلق هوية شخصية على المستوى الوجودي، وخلق الوجود الشخصي من خلال الهوية الإبداعية، من خلال الأدب.

تكتسب الحالة المصاحبة لبحث المثقف المنفي عن الهوية أهمية لا تني تزداد تعاظماً في الوقت الراهن، لأن هذا المثقف يلعب –عن وعي أو غير ذلك- دوراً بارزاً في حمل قضايا أمته الجمعية على رافعة أدواته التعبيرية في زمن العولمة وما توفره من وصول كوني للمنتج الثقافي. وقد أصبح أدب كتاب مستعمرات الإمبراطورية السابقة مسرحاً لاهتمام حقل كامل من الدراسات ما بعد الكولنيالية، وهو ما وضع قضايا "العالم الثالث" تحت قدر كبير من الضوء في العالم المتقدم. وأسهم الكتاب الكبار المنحدرون من الأطراف والمقيمون في الغرب، إما في تكريس الصورة النمطية عن "الشرق" كما وصفها إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق"، أو في تغيير الصورة، والاطلاع بمهمة التحدث نيابة عن المهمشين والذين لا صوت لهم، كما يفترض غرامشي. ويحاول هؤلاء الأخيرون التعويض عن غربة المكان بمحاولة الإقامة في الوطن-الكتابة.

يقول الناقد الثقافي أندرو غور Andrew Gurr إن تعريف الوطن ربما يشتق من العلاقة بين المنفي وكتابته في العالم المعاصر. ويعني ذلك أن المنفي المبعد ربما يكتسب هويته من خلال الكتابة. أما برايتن برايتنباخ Breyten Breytenbach فيقول: "أن يكون المرء منفياً يعني أن يكون حراً في أن يتخيل أو يحلم لنفسه بماض، وكذلك بمستقبل لهذا الماضي. أن يكون المرء منفياً يعني أنه يكون موجوداً -كتابة". وعادة ما يحاول المثقف المنفي خلق مكان لنفسه عن طريق الكتابة والترحال، مستفيداً من حيز "الما-بين" الذي يمكن أن يمنحه حيزاً تخيلياً وإبداعياً أعرض. كما يمنح حيز "الما-بين" هذا للمنفي والمهاجر والمثقف الكولنيالي فرصة أفضل للاختيار من الإمكانيات التي توفرها له خلفيته متعددة الثقافات.

مع ذلك، يبقى من الواضح في هذه الحالة أن الإمكانيات لن تكون ثابتة، ولن تكون محددة بماضيها. إن هوية المنفي في نهاية القرن العشرين وأعتاب القرن الحادي والعشرين تتأرجح بشكل حتمي بين الفضاءات والثقافات، وهو يشكل، أو يعثر، على "حيز" مؤقت لنفسه بين الفضاءات الثقافية، حيث تؤسس الكتابة طريقة بالغة الفعالية لبناء وخلق ذاتية عرقية، وتزوده في الوقت نفسه بفرصة لإعادة فحص تاريخه الماضي ليعرف الأكثر عن إرثه الثقافي.

يصف غور العملية المستمرة من فقدان الهوية واستعادتها بالنسبة لغير الغربيين، حيث تعمل التناقضات بين الإرث الثقافي الأصلي، والمحددات التاريخية المخصوصة والاختلافات الأخرى، على جعل شروطها من التغريب والإقصاء، معقدة بشكل مخصوص، لأن هؤلاء (الغرباء) لا يستطيعون العثور على "وطن" ينتمون إليه. ويقول إن "الإقصاء والنفي والاغتراب في أشكالها المختلفة هي شروط وجود الكاتب المعاصر في العالم. وتكون الاستجابة الأساسية لهذه الشروط هي البحث عن الهوية، والبحث عن وطن، من خلال اكتشاف الذات وتحقيقها". ويشكل أدب مستعمرات العبيد في جزر الهند الغربية مثالاً على هذا الاتجاه، حيث كان مواطنو تلك المناطق قد اقتلعوا من جذورهم ومن بيوتهم الأصلية وأعيد زرعهم في مكان غريب، ما خلق فيهم أحساساً عميقاً بالتشرد والافتقار إلى الانتماء.

في هذا الإطار نفسه، ركز حقل التنظير الثقافي كثيراً على "الثقافة" بوصفها حالة من الانسياب المستمر وعدم الاستقرار. ومن بين المنظرين الثقافيين، يتحدث هومي بابا عن التهاجن، والمحاكاة و"الحيز الثالث". ويتحدث جيمس كليفورد عن الترحال. وهناك مفهوم الهوية المتبدلة عن ستيوارت هال. وتحدثت دورين ماسيه عن الهوية والمكان. كل هذه هي أفكار يمكن تطبيقها لتحليل وضع المثقف المنفي (سواء كان المنفى قسرياً أم اختياريا). ويقول ستيوارت هال إن صناعة هوية "لا يكون أبداً فعلاً مفرداً، وإنما متعدداً، يتم بناؤه عبر خطابات وممارسات ومواقف مختلفة، والتي غالباً ما تكون متقاطعة ومتنافرة.

لكن الترحل يظل محدداً مثيراً للجدل فيما يخص الهوية. يفترض في بقاء الفرد داخل سياقة المكاني والثقافي الأصلي أن يزوده، من حيث الأساس، بهوية مستقرة نسبياً. لكن من المفارق أن جيمس كليفورد James Clifford يرى إلى الثقافات بوصفها مواقع للإقامة والترحال، ويساوي أحياناً بين السفر و"التشرد". وهكذا، ربما يشعر المترحلون براحة أكبر مع الثقافات المتعددة حيث لا يكون السؤال الرئيس هو "من أين أنت؟" وإنما "بين ماذا أنت؟". ويعود ذلك إلى الآثار التي تتركها الأماكن في المسافر. وهكذا، يساعد السفر والسكن الشخص في تحديد هويته. وبهذا يصبح المسافر "مواطناً عالمياً" بشكل ما، على الرغم من خلفيته أحادية العرق غالباً. ومع ذلك، يعمل التأثير الكولونيالي إلى جانب الشعور المصاحب من عدم القناعة بالعرق الأصلي باعتبارها تابعاً، متبوعاً بالسفر المستمر، كل ذلك يخلق هوية مراوغة ومركبة. وتصبح الأمور محيرة أكثر لتتطلب نوعاً خاصاً من القوة حتى يضع المرء نفسه في مكان ما.

في عالم موسوم بالاستعمار والتحرر من الاستعمار، إلى جانب هجمة العولمة، يصبح مفهوم الهوية أكثر اتصالاً بحس من الحيز المحلي. وبهذا، يتحول فعل خلق الهوية بفعل الكولنيالية والعولمة. وترى دورين ميسيDoreen Massey  مفهوم الهوية والمكان بمعنى أن إحساس المرء بالمكان ضمن محددات جذوره الأصلية ربما يعرض هوية مستقرة. لكن "مفهوم المكان ليس ثابتاً، وإنما هو غير مستقر... إن الأماكن هي عمليات مستمرة". وتعلق ميسي على إعادة إنتاج الحيز بالقول: "ليس للأماكن "هويات" مفردة وفريدة، إنها مليئة بالأزمات الداخلية... مثل، الصراع حول كيف كان ماضيها (طبيعة "ميراثها")، والصراع حول ما ينبغي أن يكون عليه تطورها الراهن، والصراع حول ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها. وعلى أن شيئاً من هذا لا ينفي أهمية المكان وفرادته، إلا أنها تجري إعادة إنتاج خصوصية بشكل مستمر".

عميقاً في داخله، يشعر المثقف المنفي بأنه عالق في "ليمبو" بين العوالم. وربما يكون هذا طبيعياً ما دام يتطلع إلى احتراف الكتابة. ومن المقبول منطقياً أن يستخدم كاتب في الغرب خلفيته المختلفة ليأتي بشيء لا تكون الأذن قد اعتادته. أي تصوير عوالم أخرى تبدو للجمهور متخيلة أو سحرية. وقد تميز بذلك كتاب الواقعية السحرية من كتاب أميركا اللاتينية، مثل غابريل ماركيز، وإيزابيل أليندي وكويلهو وغيرهم. وقد استخدم بعض المثقفين المنفيين هذه الهبة من الخبرة غير الاعتيادية –بالنسبة للجمهور الجديد- في سبيل دعم أوطانهم الأصلية ورسم صورة أكثر إيجابية عن مجتماتهم الأصلية في العقل الغربي، من غير فقدان فرادتهم في الوقت نفسه. ومن هؤلاء الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي، والشاعر الترينيدادي ديريك وولكوت، والناقد الشهير هومي بابا، والناشط والناقد الفلسطيني الكبير الراحل إدوارد سعيد.

إن الهوية ليست مفهوماً سكونياً، مما يجعلها موضوعاً لتفاوض لا يلين. في حالة الكولونيالية، مع ذلك، يصبح وضع مفهوم للهوية أكثر إشكالية باعتبارها هوية مفردة متماسكة الأطراف، نظراً لوجود عاملين تأثير متفارقين: هناك تأثير المستعمر من ناحية، وتأثير الثقافة المستعمرة من الناحية الأخرى. في دراسة عنوانها "سياسة الاغتراب والهوية، يعرف مانجيت سينغ Manjit Sing الهوية في السياق ما بعد الكولنيالي، فيقول إن "مفهوم الهوية بالمعاني السوسيولوجية والسيكولوجية يتضمن تضامن الفرد مع مجتمعه. وفي غياب الهوية، تكون النتيجة المباشرة هي الضياع والقلق في عالم يفتقر إلى وجود القيم اليقينية المؤكدة". هذه الحالة من "الضياع" تنجم عن خسران اللغة والثقافة المحلية تحت تأثير القوة الاستعمارية. وبهذا المعنى، تشكل اللغة والثقافة مكونات رئيسية في تشكيل الهوية. وعندما تفقد اللغة والثقافة المحلية بسبب التأثير الكولنيالي، تصبح الهوية مهددة في السياقات ما بعد الكولنيالية.

ثمة قضية لا تقل تعقيداً في مثل هذه السياقات ما بعد الكولنيالية هي العلاقة المشتبكة بين اللغة والحيز. وينجم أحد مصادر ذلك التشابك من أصل اللغة التي تقدمها القوة الكولنيالية. ويحدث كثيراً أن لا يستجيب الإطار الثقافي لهذه اللغة للمناخ الكولنيالي ويحل محل اللغات المحلية. ويلاحظ بيل أشكروفت وغريفتينز وتيفين Ashcroft, Grifftins and Tiffin أنه: "بسبب عدم وجود اتصال للأسلاف مع الأرض، فقد تعامل المستعمرون الغربيون مع إحساسهم بالغربة المكانية من دون شك عبر التمسك بالاعتقاد بمناسبة اللغة المستوردة –حيث يمكن تجاوز إساءة الترجمة بالقول إن مفهوم "الأرض" أو "الموسم" هي "مكمن الخطأ""

من الواضح، مع ذلك، أن "الموسم" ليس "خطأ" بالمعنى الحرفي، وإنما هو ظاهرة "غريبة في العالم المنشأ حديثاً، والتي يحتمل كثيراً أن لا تكون جزءاً من الواقع الذي تستطيع لغة المستعمِر أن تصفه. وبالتالي، ربما تفتقر لغة المستعمِر إلى المفردات المناسبة لوصف المستعمرة. وبهذا، لا تمكن ترجمة مفهوم الواقع "الآخر" إلى لغة تكون قد تطورت أساساً لوصف واقع "محلي" محدود. وبعبارات أخرى، حسب Fink، فإن "ما لا يمكن قوله في لغة ما لا يشكل جزءاً من واقعها". وبهذا، فإن اللغة تحدد الطريقة التي يُدرك بها الواقع، ما يعني أن المستعمِر يميل إلى أن يحدد، من خلال لغته، ما هو الصواب وما هو الخطاً. وبهذا يصبح تصنيف شيء على أنه صائب بهذا المعنى جزءاً من الواقع لأنه يعامل على أنه حقيقي.

في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالي، يبقى استخدام اللغة المهيمنة موضع استنطاق فيما يتعلق بعدم قدرتها على تمثيل الواقع الفعلي. ولعل من المفهوم أن الواقع المعاش يتصل بإعادة إنتاج الحيز في كتابات كتاب ما بعد الكولنيالية. إلا أنه ينظر إلى الحيز في كتاباتهم على أنه يفتقر إلى الموثوقية وبوصفه إعادة إنتاج لخبرة غير واقعية. حول العلاقة بين الحيز والهوية في أعمال نايبول، يقول كونسويللو لوبيز دي فيغاليس Consuelo Lpez de Villegas: "إن الحس بالهوية يتحدد بحيز الفرد الوجودي، بمعنى أن المرء عندما يمتلك حيزاً، فإنه يخلق مركزاً، وهي نقطة الانطلاق التي يمكن للفرد أن يضع منها أهدافه".

هنا يأتي مفهوم "الحيز الثالث" الذي يوظفه هومي بابا لتفسير مفهوم وغاية التهاجن. وبينما يتحدث من موقع المثقف ما بعد الكولونيالي، يعلق بابا على "الحيز الثالث" كاستراتيجية لفتح فضاء ممكن للخطاب الثقافي عن طريق تجاوز الهيمنة الثقافية والعبور فوق حدودها التاريخية. وترتبط مشكلات رئيسية للتنوع الثقافي كما يراها هومي بابا بـ"العرف الذي يقدمه المجتمع المضيف أو الثقافة المهيمنة"، ولتعددية ثقافية تقوم على العنصرية. ولهذا يبحث بابا عن "حيز منتج ومناسب لإنتاج الثقافة بوصفها اختلافاً، على الرغم من الاختلاف أو الآخرية"، حتى يثبت أن للثقافات المختلفة خصائصها الفريدة وأنها غير قابلة للتماهي. بالإضافة إلى ذلك، يقدم بابا فكرة "الترجمة الثقافية" كطريقة للتفاوض بين ثقافتين. وتكون الترجمة بهذا المعنى طريقة لتقليد أصل يمكن أن "يقلد، ينسخ، ينقل، ويحول وتصنع منه صورة.

بهذا، تكون الترجمة هي المعبر بين الأصل والصورة. وبهذه الطريقة، يكون الأصل في حالة خلق مستمرة، تماماً مثل الصورة نفسها. وتفتح الترجمة الثقافية "إمكانية النطق بالمختلف، بل وحتى الممارسات والأولويات غير القابلة للتماهي". وبهذا ينتج ما يدعى "الحيز الثالث" من خلال عملية الترجمة، ويمكن أن يصبح التفاوض شكلاً من الإخضاع العدواني والاعتداء الذي يجري عبره خلق موقع جديد. وبهذا، يمكن إنتاج الهوية كموضع جديد من خلال عملية التهاجن. ويصر بابا على أنه "تم التغلب على الهوية السياسية والثقافية الآن، وشرع خطاب الأقلية بالظهور. وهكذا، يقوم الحوار بين الثقافات -ما بعد صدور كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق)- بمحو سوء التمثيل أو مجرد الصورة المتخيلة لثقافة معينة. ويتحدث بابا أيضاً عن مسؤولية المثقفين. وهو يعتقد بأن المثقفين يجب "أن يتدخلوا في صراعات مخصوصة، خاصة في مواقف التفاوض السياسي". وبكلمات أخرى، فإنهم يكونون في موضع المعارضة الذي يستطيعون منه فحص السياسات الثقافية. وبهذا يمكن للمثقف المنفي أن يحول شعوره بالاغتراب إلى قدرة هائلة على الشعور وكأنه "في الوطن" في أي مكان. إنه يخلق منطقة رمادية، حيث لا يكون هناك انتماء واضح الخطوط، إما إلى الأبيض أو الأسود. ومع ذلك، يبقى اللون الرمادي خليطاً من لونين، محايداً، وبهوية مراوغة.

مراجع:

- Ashcroft, Bill, Gareth Griffiths and Helen Tiffin (1989), The Empire Writes Back: Theory and Practice in Post-Colonial Literatures, London: Routledge.

- Bhabha, K. Homi, (1996), "Cultures In-Between," Questions of Cultural Identity. Ed. Stuart Hall and Paul Du Gay. London : SAGE. 53-60.

- (1990), "The Third Space," Identity: Community, Culture, Difference, Ed. Jonathan Rutherford, London : Lawrence & Wishart: 207-21.

_ Breytenbach, Breyten (1993), "The Long March from Hearth to Heart," Home: A Place in the World. Ed. Arien Mack. New York: New York UP, 65-80.

- Clifford, James (1992), "Traveling Cultures," Cultural Studies. Lawrence Grossberg (Ed.), New York : Routledge.

- Gurr, Andrew (1981), Writers in Exile: The Identity of Home in Modern Literature, Sussex: The Harvester Press.

- Lpez de Villegas, Consuelo (1980), "Identity and Environment: Naipaul’s Architectural Vision," Rvisista/Review Interamericana 10, 220-9.

- Massey, Doreen (1994), Space, Place and Gender. Cambridge : Polity.

- Said, Edward W. and David Barsamian (2003), Culture and Resistance. Cambridge, Massachusetts : South End Press.

- Sing, Manjit Inder (1998), The Politics of Alienation and Identity: V.S Naipaul and George Lamming, Delhi: Ajanta

22/1/2010

ala.zeineh@alghad.jo

 

 

شرق الغرب: مدن اليقظة والحلم الشرقية في الرؤى الغربية

جمال أبو حمدان

"دعوني لحالي، حين يخفي الأفق الغائم، جبهة متموجة بقوس من ضباب، حين يحمّر الكوكب العملاق ويتوارى. آهٍ، من سيُبعث فجأة بينما أنا وحيد أحلم من النافذة والظلال خلفي في الرواق. من سيلد هناك مدينة شرقية، بوهج مدهش تمزق عندها قوس الضباب بشهب كأنها أسهم ذهبية انفلتت من حزمتها. آهٍ، فتأت هذه المدينة تلهمني، وتضيء أناشيدي المغبّرة كسماء الخريف، وتلقي في عيني بظلالها السحرية، وتظل غسقية تزين طويلاً الأفق البنفسجي بألف برج لقصر جنية، قبل أن تنطفئ".أي حلم يقظة تراءى للكاتب الفرنسي "فيكتور هيجو"، وهو يطل من نافذته على باريس عند الغروب، فيتراءى له بدلاً منها، مشهد متخيل لمدينة شرقية، ساعة الغروب.

فيكتور هيجو، لم يزر الشرق، أما خياله فقد كان هائماً به، وكتب عنه أجمل أشعاره، حتى بات الشرق إطاراً لكثير من شعره، أو خيطاً بارزاً شديد التميز في نسيجه الشعري.فالمدينة الشرقية الغسقية، التي فجرّت هذه الرؤى، مدينة متخيلة، وهي مرتع خصب زاهي الألوان دافئ، لخيال شعري منفلت وهارب من رمادية وبرودة المدينة الأوروبية.أما الكاتب جيرا ردي نرفال، فإنه يصف ساعة الشروق، من منظور آخر، أكثر حقيقية: "صوت المؤذن الذي يعلو من المئذنة المجاورة، الجرس الصغير الذي يحركه الجمل بهرولته الثقيلة، والرفيف والصفير المبهمان اللذان يسريان في الهواء والخشب والجدران، بينما يرسم الفجر العجول على السقف بالضوء آلاف الشقوق من بصيص النوافذ، ونسيم مبكر محمّل بشذى مفعم يرفع ستر بابي، فأرى خلف حوائط الساحة رؤوس النخل تطفو.. كل هذا يأخذني، يطربني أو يشجيني باختلاف الأيام، ذلك أني لا أريد أن أقول أن صيفاً خالداً يثمر حياة سعيدة إلى الأبد".

فقد ارتحل جيرار دي نرفال إلى الشرق، وحاول خلال الفترة التي قضاها فيه، أن يكون مفتوح البصر، متفتح البصيرة على الحياة الشرقية، بل جهد في اقتحام أسرارها والولوج في تفاصيلها. ويُعتبر كتابه "رحلة إلى الشرق"، من أجمل ما كُتب من النثر الفرنسي في القرن التاسع عشر، وصفه الكاتب تيوفييل جوتييه، بأنه كتاب خلاّب يملؤه الحب والنور. وقد فتنه أكثر من الإطار الخارجي للمدن الشرقية، تلك الحياة الضاجة الناغلة في عروقها، بكل مظاهرها الصاخبة.

أما الكاتب أندريه جيد، فإن خياله يصل إلى درجة تشخيص المدن الشرقية التي يزورها منبهراً، فيقول؛ "لقد رأيت أزمير ترقد كالبنت الصغيرة، وزغوان كراعية من قبائل البدو تحمّر خدودها عند اقتراب الفجر، أما الجزائر، فترتجف حباً تحت أشعة الشمس، وتذوب عشقاً في أحضان الليل".ثم يُجمل تخليده للمدينة الإسلامية الشرقية، بقوله "إنك لم ترَ جدران هذه المدينة الإسلامية، هذه الجدران العميقة، حيث انصب ضياء الشمس خلال النهار، جدران ناصعة البياض كالصُلب.. أيتها المدينة لقد بدوت لي بلورية شفافة".ويسجّل جوستاف فلوبير، في رسالة إلى أمه في فرنسا، انطباعاته عن لحظة وصوله لأول مرة إلى مدينة الإسكندرية: "عندما وصلت إلى شاطئ الإسكندرية، صعدت مع قائد الدفة إلى سطح السفينة، ولمحت السراي كقبة سوداء على زرقة البحر، وكانت الشمس تصبّ أشعتها عليها، وخلفها رأيت الشرق، أو ربما رأيته في ضوء فضي أُعتصر بين البحر والسماء، ولم يمضِ قليلاً إلاّ وبدأ الشاطئ يرتسم، وكان أول ما رأيناه على اليابسة جملين يقودهما الجمّال، ثم على طول الساحل عرب نشيطون يصطادون في ثنايا هواء لا حد لمسالمته، وساعة النزول كان ضجيج كأنه دفوف الشرق كلها تُذهب اللّب."لقد كانت رحلة فلوبير إلى الشرق، تتويجاً لحلم عايشه طويلاً في بلدة، وبلغ تشوقه الشرقي برسوه على شاطئ المدينة الشرقية. وقد ظلّت هذه السعادة الغامرة تلازمه في تنقله بين مدينة وأخرى، فهو يسجل في دفاتر سفره انطباعاته عن انتقاله من الإسكندرية إلى القاهرة على ظهر مركب بخاري: "الليلة الأولى على ظهر النيل أشعر بالطرب والميل إلى الغناء. أثرثر وأتحرك وأقرأ لنفسي بصوت عالٍ قصائد من الشعر. لا أستطيع إرغام نفسي على النوم، أفكر في كليوباترا. الماء أصفر رقراق، وبعض النجوم.. يغشاني النوم على فراشي المتنقل .. يا للهناء. الصحراء من ناحية، ومن الناحية الأخرى الحقل الأخضر، ولون الصحراء رمادي محمرّ، ويظهر اثنان من الأهرامات، ثم ثالث يصغرهما.. وعلى يسارنا تظهر القاهرة قابعة على تل، وقبة مسجد محمد علي، ووراءهما تلال المقطم العالية".لقد بدا الشرق لكثير من كتّاب الغرب، كما لو كان حلماً من أحلام اليقظة..

كان التصور المشترك بين معظم الأوروبيين، بأن الشرق هو المسرح الملائم لمغامرتهم، وهو مرتع الخيال الطلق.. وهو العالم الآخر، المجهول والغامض، والذي ينتظر الفارس الغربي لاقتحامه، وفيه إمكانية العيش وفق هواه، دون تضييق على ذاته الآخذة في التضخم، حتى لتكاد تختلط بالكل المطلق.إن الشرق هو إمكانية الخلاص القصوى، من عالم الغرب البارد الضيق على الروح والنفس. فالقاهرة مثلاً، التي قال عنها كارل هاج حين دعا للارتحال إليها، أنها المدينة الوحيدة الفريدة في العالم، تشاركها فرادتها وتميزها معظم مدن الشرق التي قصدها المغامرون والرحالة والكتّاب والفنانون الأوروبيون.فالقاهرة وبيروت ودمشق والقدس والجزائر وتونس ومراكش، وما حولها، هي المدن التي حطت فيها أرتال الفنانين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، وهذه المدن الشرقية، تقابل في أذهانهم ونفوسهم وعيونهم، المدن الأوروبية التي جاءوا منها.لكن المقارنة أو المفارقة بين العالمين في ذلك العصر، كانت تعطي للمدينة الشرقية تميزّها وفرادتها، وهي ليست كذلك بذاتها، بل بمقدار ما توفره من اختلاف وغرائبية، وتُبقي النوافذ مشرعة على الأفق البعيد، حيث يتشكل حلم اليقظة.لقد ظل الشرق بالنسبة لمعظمهم، منظراً في لوحة أو مقطعاً في قصيدة أو وصفاً في رسالة أو كتاب، وربما منبعاً للإلهام ذي الأبعاد الفنية الإبداعية، ولم يصبح بالتدريج نوعاً شبيهاً بالوطن إلاّ عند القلة أو الندرة منهم.

أما عند الكثرة فقد ظل مكاناً غير قابل للاندماج به أو التمازج معه..ورغم اكتظاظ المدن الشرقية بأهلها في لوحات الفنانين الغربيين، فالأوروبي، سواء كان الرسام ذاته أو أيا من مواطنيه الرحالة، لا يظهر فيها مطلقاً.. فهو يقف منها موقف الاستعلاء، حيث تحرك تشوقاتها أو تشهيه، لكنه لا يقبل الاندماج بها، أو الظهور في إطارها.. فهي مدن ومجتمعات مقبولة ومشتهاة في ثنايا الخيال والحلم، مرفوضة في وضوح الواقع، وصلابته.عند عودته من رحلته الشرقية إلى باريس، قال يوجين ديلاكروا، رائد الرومانتيكية الأوروبية في الرسم، والمتربي في الحضن الباريسي؛ "إن باريس تزعجني، والأشياء فيها تبدو لي في نهار مختلف". والاختلاف هنا، هو اختلاف عن الشرق، أو اختلاف الشرق عنه، فهكذا بدت باريس لعين الفنان الفرنسي مقارنة بمدينة كالجزائر، أو تونس، أو مراكش، التي عشقها في رحلته، وأمدته بأجمل لوحاته الاستشراقية. ويصف فلوبير ما أحس به إزاء المدينة الشرقية: "ها أنذا ألخص في عبارة واحدة ما أحسست به، اندهاش قليل من الطبيعة بأرضها وسمائها وصحرائها وسرابها، واندهاش هائل من المدن، ولو كان هيجو هنا لقال؛ كنت أقرب إلى الله مني إلى الإنسانية، ولعل ذلك الاندهاش يرجع إلى أنني كنت أحلم وأنقب وأتخيل ما هو أفق وخضرة ورمال وأشجار وشمس، وفاتني أن أتوقع ما هو مدن وشوارع، فكان لي مع الطبيعة لقاء، ولكن كان لي مع غيرها وجد".وغالباً ما كان اقتراب الفنان الغربي من المدينة الشرقية، اقتراباً محاذراً.. فهي كالصدفة المغلقة على أسرارها، ولا تكشف عن مكامن تلك الأسرار لعين زائرها إلاّ بعناء.وكثير من الفنانين رسموا منظر المدينة عن بعد، وكأنها مكان قصي تركض إليه الأشواق، وتقصر عنه الخطوات.ولعل الفنان الإيطالي جوليو روساني، في لوحته "عرب يقتربون من مدينة"، كان يتقمص إحدى الشخصيتين البارزين في لوحته، وهما يتريثان على مشارف المدينة يرنوان إليها، قبل أن يقارباها ثم يلجاها، بينما تلوح المدينة المقصودة عند زاوية اللوحة، بعيدة متوارية في غموضها.وعند أوغستوس أوزبورن لامبلو، تلوح المدينة ذاتها، وهي القاهرة، بقبابها ومآذنها المشرئبة في الأفق، مغلفة ساعة الغسق بستار ضبابي، يوحي عن بعد بالغموض الذي أراد الفنان الغربي أن يراها فيه، قبل اقتحامها.وعند ألبرت جودين، تبدو المدينة مع ارتفاعها في زاوية اللوحة العليا، على نفس التوازن مع الرحالة، الذين يرتاحون في الزاوية المقابلة السفلى، ويتهيأون لدخولها.وما أن تنفتح بوابات المدينة الشرقية، أمام اقتحام الرحالة (الكاتب والفنان) الغربي، ويصبح في الداخل، حتى تضج شوارعها وأزقتها وميادينها، بمظاهر الحياة الشرقية الكرنفالية، والتي بالغ الفنانون في إظهار تنوعها وغرائبها، لإبهار مواطنيهم الذين لم تتح لهم فرصة التواجد في تلك البقاع البعيدة الغريبة من العالم، حتى كاد يتكرس الاعتقاد بأن هذه اللوحات عن المدن الشرقية، تخترق الشرق وملامحه، وأنها وثائق صادقة لرؤية هذا الشرق الغريب.فالكاتب غوتييه، الذي كتب عن الشرق كثيراً دون أن يزوره، يصف انطباعه عن لوحة بروسبير ماريلهارت التي يصور فيها أحد ميادين مدينة القاهرة: "ما من لوحة مثلها أحدثت في نفسي أثراً عميقاً لأمد طويل، وأخشى أن أوصم بالمبالغة إذا ما قلت أن رؤية هذه اللوحة جعلتني مريضاً ومسكوناً بالحنين إلى الشرق الذي لم تطأه قدماي أبداً. لقد وجدت فيها وطني الحقيقي، فما أن يبتعد نظري عنها، حتى أجدني كالمنفيّ".إنها رغبة غوتييه، أن يكون منفياً عن أجواء مدينته الأوروبية، والمدينة الشرقية تروي له عن بعد هذا التشوق، وهو ما وصفه كيرنان بحلم اليقظة الأوروبي حيال الشرق.وقد وقع الفنانون الغربيون في إسار الاعتقاد بأن الشرق، قد وقف وتجمد خارج حدود الزمن وابتعد عن سير التاريخ، فرسالتهم في تصوير المدن والمواقع ومظاهر الحياة فيها قبل أن تندثر، تستحق الثناء.. إذ أن الشرق، لن يظل ماثلاً بعد زمن إلاّ في لوحاتهم، وفيها سيتعرف الأبناء على معالم حياة الآباء. وقد ساد هذا الاعتقاد التمويهي، الذي جعل غياب التاريخ مسألة مشتركة في أغلبية الصور الاستشراقية.ويبدو الزمن في مثل تلك اللوحات، وكأنه قد توقف، فالفنان يوحي للمشاهد أن عالم الشرق هذا هو عالم دون تحول، عالم ذو تقاليد وطقوس خالدة، وأن الشرق عالم لم تمسه عمليات التحول التاريخية، التي كانت في ذات الوقت تثقل على كواهل مجتمعات الغرب، والتي أدت إلى تغييرات متسارعة عنيفة فيه.إن التركيز على انعدام الزمن وفقدان البعد التاريخي، كان نوعاً من ذر الرماد في العيون، فالشرق في ذلك الوقت كان في الحقيقة يموج بمرحلة تحول جذرية، في مختلف النواحي.وهذا عين التناقض الذي حاول الفنان الغربي، أن يتعامل معه لتفجير الرؤى الغرائبية التي ترضي المزاج العام الأوروبي في القرن التاسع عشر.فمع أن المدينة الشرقية تقف خارج التاريخ، مخبوءة وساكنة في عب الزمن، إلاّ أنها فنياً تضج بالمشاهد والرؤى.. وبالنسبة لأولئك الفنانين الذين زاروا الشرق الحقيقي فعلاً، فقد كان أمامهم الكثير من الإلهام.

الكاتب الإنجليزي، وليام ثاكيري، هتف لمواطنيه الأوروبيين، حين طاف بأرجاء مدينة القاهرة: " هنا تتوفر ثروة طائلة للرسامين، ولم يسبق لي أن رأيت مثل هذا التنوع في طراز العمارة والحياة والمناظر، والأواني الزاهية، والنور والظل.. إن في كل مكان صورة تنتظر من يرسمها".لكن رغم هذه الثروة الطائلة من الصور المتوفرة أمام الرسامين الأوروبيين، فإن ثمة ما كان يكبلهم ويجعلهم يخرجون عن الموضوع الذي يرسمونه في المدينة الشرقية، والقليلون استطاعوا أن يرسموا المشاهد الشرقية كما رأوها دون أن يضيفوا عليها شيئاً من عندهم. فتحولت لوحات أكثر الرسامين الاستشراقيين من واقع تراه أعينهم إلى حكايات ترويها ريشهم، وأصبح الشرق بين أيديهم رمزاً وأسطورة، فقدموا لأوروبا ما كانت تريد أن تراه أوروبا، عبر مواصفات مسبقة للشرق، جهد الرسام الاستشراقي أن يبرزها.فما الذي انفتحت عنه صدفة المدينة الشرقية، لعيني الفنان الغربي!؟كان الطراز المعماري المميز للمدينة الشرقية، أول ما تنفتح عليه العين الغربية بانشداه، بدءاً من الأسوار التي تحيط بالمدينة.إذ المدينة الشرقية، صعبة بعيدة المنال، مسوّرة، مغلقة ببواباتها التي تترك الغريب خارجها، ولكن ما أن ينفذ إليها، حتى يقف مسحوراً مذهولاً أمام المشاهد الداخلية.ويظل الطراز المعماري الفريد، وزخرفاته النابعة من الحس العربي الإسلامي المميز، أكثر ما لفت انتباه الفنان الغربي، فترك ثروة من اللوحات التي تسجل انبهاره بطراز العمارة في المدينة الشرقية.وقد ظهر تياران واضحان في رسم المدينة الشرقية، أولهما قام على المشاهد الوهمية، والثاني على المشاهد الواقعية. فحين ازداد الانفتاح على الشرق، أصبحت اللوحات أكثر واقعية، بعد أن كانت الأعمال الفنية الأولى مجرد استذكارات خيالية.لكن، حين استطاع التصوير الشمسي، في فترة لاحقة، أن يعرض بأمانة وإن اتسمت بالفجاجة صوراً عن الشرق، راح الرسم للدفاع عن موقعه، يحاول ببراعة ومهارة، التخفيف من واقعية هذه الصور وحدتها، بإضفاء لمسته الشعرية على المشهد الشرقي.فالفنانون أعادوا تكوين وصياغة المشهد الشرقي في مراسمهم الأوروبية، معتمدين على نكهة الطرافة، والمبالغة في التفاصيل الدقيقة، تحت وطأة هاجس الواقعية والمغالاة في إظهار التفاصيل على الحد الأقصى، حتى باتت التفاصيل الجزئية تطبع هذا الفن بطابع غير واقعي.فالقباب والمآذن المشرئبة نحو السماء، احتلت موضع الصدارة في لوحات الفنانين الذين رسموا المدينة الشرقية، وقد كان احتفاؤهم بها بعيداً عن مكانتها في الحياة الشرقية الإسلامية، وفهم مضمونها.كان احتفاءّ برانياً، بالطراز والزخرفة، والشكل الهندسي الفريد.وحين اندس بعضهم داخل المسجد لرسمه، اتضح عدم فهمه للروحية التي تكتنفه، وتشيع فيه.في لوحة ثيودور راللي، المسماة على الشرفة، تبدو امرأة تطل من شرفة مزخرفة، تحت سماء صافية الزرقة، وتحتل الجزء الباقي من اللوحة، مدينة القاهرة، بأبنيتها ذات اللون الترابي. إن ظهور هذه المرأة بثيابها المزخرفة الملونة، يختطف عين المشاهد وانتباهه، لتصبح محور اللوحة.. وتبدو المدينة ثانوية الحضور في عين وانتباه المشاهد.

إن المدينة الشرقية كمكان، سواء في تناولها الجزئي أو الشامل، تبدو في عين الفنان الغربي، كخلفية لحركة الحياة، وهو يُعنى دائماً بإشاعة الحيوية فيها من خلال حركة البشر وأنشطتهم داخلها.وتبدو دائماً الموازنة بين ما يميز المباني، سواء السكينة أو العامة، زخرفة ونقوشاً، وبين الحركة البشرية المتماوجة بالألوان وحيوية الحركة، وغالباً ما تبدو هذه الحيوية في هيئة الجموع البشرية، فالشوارع الضيقة في المدن القديمة آهلة بالسكان، في حركتهم الدائبة، والزوايا قلما تكون خالية إن مهجورة، وإن بدت مغلفة بالأسرار في لوحات الكثيرين، والميادين غاصة بالناس، في احتفالية مظهرهم، وتنوع أو تنافر أشكالهم وملبسهم، وغرائبية ممارساتهم لأنشطتهم وحياتهم، وكما يصف فلوبير؛ "إن ذلك يبهرنا دائماً في المدن، عندما تتضارب الألوان، كما في حفل تنكري، حيث تتشتت بين الأبيض والأصفر واللازوردي، ثم تصفو بظلالها فتغشي عينيّ كل فنان".وقد اجتذبت الأعياد الشرقية، وخاصة الدينية، اهتمام الفنان الغربي، فمشهد المواكب البشرية في أيام الأعياد، من المشاهد المألوفة في لوحات الاستشراقيين، وقد بالغوا في تفجير طاقة اللون على تسجيل هذه الاحتفالية البشرية الصاخبة.ووسط هذه البهرجة اللونية، وحيوية الحركة، يقصد الفنان الغربي أن يبرز البؤس والقلق والحزن والفقر، في حياة المدينة الشرقية.. بل إن بعضهم بالغ في التركيز عليها، فالشرق في نظره بائس يائس حزين.والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي كبير، بين فئات أهله، وقد حاول الفنان الغربي أن يبرزه، ويوسع من شقته في لوحاته.أسواق المدينة الشرقية ظهرت في لوحات الفنانين الغربيين، متماوجة بالحركة والحيوية، ضاجة بالصخب والجلبة، حافلة بالألوان، فالأسواق الشعبية كانت محط هوى لأقلام الكتّاب الرحالة ولريش الرسامين الرحالة. إنها الأمكنة المكشوفة للعين والخاطر في عالم ومجتمع كل شيء فيه مغلق تكتنفه الأسرار، فما أن يصبح فيه شيء مكشوفاً ومعروضاً يحس الرحالة عندها بمتعة تصل حد النشوة. وفي الشرق كما تخيّل الغربيون، وحاولوا أن يكرسوا هذا التخيل ويحولونه إلى حقيقة، كل شيء قابل للبيع والشراء، من السلعة الصغيرة والحاجات اليومية، إلى الجسد الآدمي والإنسان.إن كثرة تصوير الأسواق في المدينة الشرقية ملفت للانتباه، بل يثير الاستغراب.. فالسوق مكان التواجد المعلن المكشوف، حيث السجاد، والأسلحة، والأقمشة، وأخيراً البشر.. وعين الفنان الغربي، أو خياله، ينتقي منه، ما يرغب أن ينقله إلى إطار لوحته.وفي المدينة الشرقية، تمتد الأنشطة الحياتية خارج السوق لتملأ الطرق والأزقة الضيقة، لكن المقاهي الشعبية هي التي تستحوذ على اهتمام الفنان الغربي، فيسخر ريشته وألوانه، لتسجيل المشهد الحي للمقهى الشعبي، بالصورة التي تستثير حسه بالغرائبية.فالمقهى الشرقي يختلف عن المقهى الأوروبي، فهناك، كانت المقاهي ذات أثر في تطور الأدب والفكر الأوروبيين، أما صورة المقهى في المدينة الشرقية، كما نقلته ريشة الفنانين المستشرقين، فهو غالباً مكان الاسترخاء الكسول الفارغ، وهي أمكنة تعبق بروائح الأشربة الممزوجة بالبهارات الشرقية الحارة، يتوزع في زواياها، فيما يشبه حالة الخدر، العاطلون، الذين يزجون الوقت في الاسترخاء أو الألعاب الشرقية، أو الإصغاء إلى رواة الحكايات الشعبية، أو مراقبة الحواة من ملاعبي الثعابين والسحرة.. فالمقهى الشرقي تجميع مكثف للنمط الذي كان يحب الفنان الغربي، أن يعتقد أن الشرق يعيش به.إن المقهى الشعبي، هو الخيط الأكثر ظهوراً في نسيج الحياة الشرقية، في المدينة الشرقية، وقد أكثر الفنانون الغربيون من تصوير الأماكن الهادئة المليئة بالظل والنور، والتي كما عبروا عنها تبدو في مأمن من الزمن، إن لم يبالغوا في اعتبارها خارجة عن ركبه، منسلخة عنه.

وتميزت القدس، بين مدن الشرق، بخصوصية في عين الفنان والكاتب الغربيين، فهي مدينة التميز التاريخي، والتفرد الروحي، التي حظيت أكثر من غيرها من مدن الشرق باهتمام الفنانين، وكانت مركز الجذب الرئيسي لمعظم الفنانين المستشرقين، وأحسوا إزاءها بالرهبة والهيبة، وقد ظهر منظر القدس من جبل الزيتون، ومن جبال مؤاب في أعمال الكثيرين منهم، على أن معظمهم فضل أن يرسم المدينة عن بعد، في مظهرها الخارجي المتألق، محاطة بأسوارها، وحاضنة لأماكنها المقدسة، مشعة بوهجها الروحي.وبغض النظر عن دوافع الفنانين الغربيين من رسم المدينة القدسية، فقد ظهرت دائماً بهية عصية على الزمن.أما القلة التي توغلت داخل المدينة لرسمها، فقد أثارت هذه المدينة الشرقية الخاصة في نفوسهم الحيرة والتهيب، خاصة بشوارعها المتعرجة، وبأهلها.. وقد وصفها الفنان إدوارد لير، وهو الذي تعشق تصويرها، بأنها مدينة يكتنفها جمال حزين، يحكي تاريخ عصورها السالفة، ويقود الناظر إلى التمعن في ماضيها السحيق.إن المدينة الشرقية بالإجمال، كما تبدت في لوحات الفنانين الغربيين، ورغم احتفالية الألوان، وتجاذب الضوء والظل، والصخب البشري في شرايين الحياة فيها، تنغلق على حزن دفين، وسر كامن في أعطافها، لم يستطع الفنان الغربي اكتناهه، ولهذا عوض عن ذلك بأن بالغ في إسباغ المظهرية الإبداعية عليها، وظلت تلوح متوامضة على حد رهيف بين الحلم واليقظة في وعيه.وقد وصف الرحالة الكتّاب تفاصيل الملامح الخارجية لمدن الشرق في تحولاتها الحياتية، وتحولات الطبيعة من حولها، في فرحها وفي شجنها، في نومها وفي يقظتها، تحت وضاءة شمس النهار، وتحت خدر قمر الليل، ثم تبعهم الرسامون الرحالة، في نقل هذه الأوصاف إلى عين ووعي المشاهد.لكن المدينة الشرقية، ظلت بعيدة المنال عصية على كشف أسرارها، وكل ما تفجر على لوحات وأوراق الفنانين والكتّاب الغربيين، كان نثار من صدمة الاحتكاك بين ثقافتين، وحضارتين وروحيتين مختلفتين.فالمدينة الشرقية، لاحت للغربي على أنها المكان الآخر المغاير لمدينته، ولهذا جاءها ملهوفاً على خيوط الحلم، وحين فُتحت بوابتها له ، انهمرت في عينيه الرؤى، استيقظت أشواقه، ولكنه في تناوله لمشاهدها اختلط الحلم الذي شده إليها، برؤى اليقظة التي تجلت له.

22/1/2010

 

 

محمد اركون ومشروع نقد العقل الاسلامي:

 

تحرر من التفسيرات الماضوية وانفتاح على ما هو انساني ومواصلة السجال العقلي

 

ابراهيم درويش

 

2010-09-19

 

يتميز خطاب المفكر الجزائري محمد اركون (1928- 2010) الذي توفي الاسبوع الماضي، باشتماله على قدر من المصطلح النقدي الخاص القادر على توليف مشروعه للنقد الذي عمل عليه طوال حياته للتراث الاسلامي وتحديد معالم مشروعه لنقد العقل الاسلامي واعادة قراءته لمفاهيم الاجتهاد والثقافة والمعرفة والحداثة وما بعد الحداثة، فكتابات الراحل اركون تحفل بمصطلحاتها الخاصة اما تلك المأخوذة من الخطابات الجديدة في الغرب- التركيبية والسيميائية وما بعد التركيبية وما يعتمد على مفاهيم انثروبولوجية وابتستمولوجية- معرفية واجتماعية كلها تحاول فهم التراث الاسلامي ونزع ما كان يراه الكاتب 'المثير' للجدل من اسطرة على مجمل التفسيرات الانسانية للنص المقدس وفتح المجالات امام الباحث للدخول في مناطق لا يحلم الباحث بالدخول فيها او ما يشار اليه 'ما لم يفكر به او اللامفكر به' وهو واحد من عناوين كتبه الكثيرة التي ترجمها للعربية تلميذه ومترجمه وبالتالي كاتب سيرته بطريقة غير مباشرة، السوري هاشم صالح.

 

اجتراح المعجم

 

وتشير عناوين كتب اركون الى اهتماماته النقدية والمعرفية من ناحية واجتراح المصطلحات من ناحية اخرى من مثل، القطيعة مع التراث، الفرق بين الاسلامي والاسلاموي والعلمنة والاسلمة، واللحظة القرآنية، ولحظة التفاسير، والارثوذكسية، ومؤسسة العلماء، والقطيعة الجذرية مع التراث، والمخيال، وتجربة المدنية ونموذج المدنية والاخيران نحتهما اركون في اللغة الفرنسية كما اشار صالح في اكثر من مكان خاصة في مقدمته لكتاب 'اين هو الفكر الاسلامي'. كل هذا، يؤكد انه كان لاركون مشروع للنقد، فقد كان يرى انه بدون مصطلح نقدي خاص ومنفتح على السياق المعرفي للعالم او الفكر فلن يزدهر الخطاب الاسلامي وسيظل خطابا مجترا يعيد تكرار لغة قروسطية لا محل لها من الاعراب، ولهذا انتقد اركون دائما ما رآه التعريب القسري او المفروض من قبل الدولة القومية الذي تم بدون التخطيط او فهم لمحتويات المجال المعرفي الحديث او المعاصر الذي يمارس فيه المفكر عمله.

 

نقد الجميع لانتاج الخطاب

 

لم يكن اركون في مشروعه معنيا بنقد المجال الاسلامي وتمثلاته وعلاقة التفسيرات التي بدأت بعد مرحلة التنزيل او الوحي الى لحظة التفسيرات ما رآه ظهور الارثوذكسية في الاسلام او ما يعرف بادبيات 'الاسلاميين' بتعبير الاشعري، اهل السنة والجماعة بل كان ناقدا ايضا للمجال الحضاري الغربي وفاعلا في السجالات النقدية الدينية داخل الكنيسة او مع آباء الحضارة الغربية. وكأي مشروع نقدي يستنفد الباحث احيانا ادواته النقدية ويتعب من التجديد ويؤول الى التكرار نفسه، اي يقع المشروع على نفسه وهو ما لوحظ في مشروع اركون النقدي للتراث الاسلامي اذ ان قارئه يجد نفسه امام نفس الافكار ونفس المعطيات والتعميمات النقدية، وهنا نجد انفسنا نقف مع فريد اسحق الذي كان واحدا من بين من نقدوا مشروع اركون النقدي ولاحظ نزوعه نحو التكرار، لكن اهم ما لاحظه اسحق ان مشروع اركون القائم على النقد في المجال المعرفي لا يلتفت بوعي او بدون وعي ان اي مشروع معرفي لا ينفصل عن 'السلطة' اي في اطارها المعرفي- سلطة العلماء وسلطة المعرفة، فهو وان اخذ، اي اركون، على العلماء المسلمين 'سلطتهم' الا ان مآل مشروعه النقدي ينتهي نحو بناء سلطة معرفية جديدة، لا نعرف حدودها. في المساقات الجامعية التي تدرس الفكر الاسلامي عادة يشمل اركون عندما يتم البحث عن 'تايبلوجي' او رسم خريطة لمسارات واتجاهات الفكر الاسلامي في قائمة العلمانيين الاسلاميين او العقلانيين، فهو عادة ما يصنف الى جانب فضل الرحمن او نصر حامد ابو الزيد والى حد ما مع محمد عابد الجابري وكل هذه الاسماء ذهبت الى خالقها وغادرت الحياة تاركة افكارها لنا لكي نتجادل حولها. لكن وضع هذه الاسماء معا يظل تعميما ينقص كل تجربة تميزها واطارها الخاص، خاصة مشروع اركون لنقد العقل الاسلامي، الذي يرى انه يقف على منطقة مضادة لنقد العقل العربي، ولاركون اسبابه لرفض محاولات عابد الجابري حيث لم يتردد في رفض فكرة العقل العربي من اساسها ولم يتردد بوصف مشروع الجابري بالذهنوية والفوضوية والعنصرية.

 

المرارة

 

اهم ما يميز مشروع اركون هو المرارة فمنذ ان بدأت كتبه تترجم عام 1980 تم التعامل كما يتم التعامل مع كتابات عرب ومسلمين يعملون في المؤسسات الغربية باعتبارهم سدنة للفكر الغربي، وتعرض اركون للنقد والشجب ولا يزال يتعرض. وقد اشار اركون الى مظاهر المرارة والخيبة هذه عندما تحدث عن زملاء لم يعيروا ما ينشره اي اهتمام من ناحية تقديم النصح والنقد، وهناك زملاء حملوا كتاباته ما لا تحتمل وينسبون اليه ما لم يقله او فهموا ما قاله بطريقة مشوهة، وهناك جماعة ثالثة اعتبرت صعوبة المصطلح النقدي والاحالات الكثيرة والشروح المتعددة منه ومن مترجمه عاملا من اهماله واحتسابه على التيار المتغربن. وكان اركون واعيا للسجالات ضده وهاشم صالح يشير الى مشاكله التي عاناها في ملتقيات الفكر الاسلامي في الجزائر في حقبة الثمانينات، والتي يردها المترجم الى عدم فهم نقاد اركون له او لانهم ومعظمهم غير مطلع على الثقافة الغربية التي يكتب فيها. وهنا لا بد من الاشارة الى ان اركون اشار الى انه كان يكتب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية وقد رأيته اكثر من مرة محاضرا بالانكليزية في لندن، حيث كان يدعى للمحاضرة وكان واحدا من المستشارين في برنامج الدراسات العليا للمعهد الاسماعيلي في لندن. كما دخل العام في مساجلة مهمة حول مشروعه في حوار مفتوح مع نخبة من الكتاب والتلاميذ في القناة المغربية الثانية. وتظل الفرنسية التي درس فيها وكتب فيها بيته الذي عبر عن افكاره من خلالها، وهذا لا يعيب مشروعه. كل هذا يعطينا ان اركون الذي ظل في السوربون يدرس فيها كان واعيا للسجالات حول كتبه وحول القضايا التي تشغل الفكر الاسلامي، فقد دافع في واحد من كتبه عن الاجتهاد عن فاطمة المرنيسي، الباحثة المهمة في شؤون المرأة والانثى وطريقة فهم التراث وموقفه منها، وهي الكاتبة لعدد من الدراسات المهمة ومثل اركون معظمها بالفرنسية.

 

كيف خسرنا التقاليد النقدية

 

اشرنا الى ان اركون اهتم بضرورة بناء مصطلح فكري 'معجم' حديث يزود الباحث المجتهد بذخيرة حية 'تجعل ما لم يمكن التفكير به منذ القرن الخامس عشر ممكنا اليوم وما لم يفكر به مفكرا به او ملموسا'. وكان يرى في هذه الخطوة ضرورة لدخول البحث الاسلامي في مجال عالم البحث الحديث بدلا من التقوقع والعيش على رؤية تمجيدية. الجانب الاخر من مشروع اركون يقوم على ما يراه التقاليد النقدية في الفكر الاسلامي، خاصة جهود ابن رشد والغزالي وابن تيمية وابن مسكويه وغيرهم من كبار المفكرين المسلمين الكلاسيكيين، والاحياء هنا لا يعني احياء افكارهم ومواقفهم ولكن استخدام الحس النقدي لديهم للتفكير في قضايانا المعاصرة، فاركون دعا وبشكل متكرر للتوقف عن مرحلة الانتاج الثيولوجي او الاسطوري والاستهلاك المخيالي للمعاني الى مرحلة الربط بين المعاني والتاريخية. ويركز اركون على اهمية نقد ما انتج في مرحلة ما بعد وفاة الرسول (ص) ليس للكفر به 'فهذا محال' ولكن من اجل تمحيص البحث التاريخي والتأكد من صحته، لان ما انتج بعد الرسول جاء نتاجا لعدد من العوامل والمؤثرات السياسية والثقافية والاجتماعية. وهنا يؤكد اركون كما هي عادته على ما تركه الفكر التقليدي من اثر على حرية البحث فهو يقول ان حجم المسافة بين القارئ المسلم المقلد وبين المسلم الباحث المتحرر من المعارف الخاطئة هو سبب القطيعة المفرطة اليوم. وهنا لا بد من الاحالة الى فعل القراءة كسبب من اسباب القطيعة، فاركون لا يبدو في خصام مع فعل التلقي او الوحي وتحول الوحي في مرحلته الثانية الى لغة انسانية ولكن مشكلته هي مع التفسيرات، ومشكلتنا مع اركون انه يفترض ان التفسيرات التي نشأت بعد عصر الرسول او في مرحلة التدوين والتمأسس كانت لديهم اجندتهم الخاصة، اي انهم كانوا منفتحين على التأثير والقولبة والتغيير باسم السلطة، من اجل مصالحهم. ومن هنا تبدو مؤسسة العلماء والمفسرين مجموعة من اصحاب المصالح الساعية باسم النص لاضفاء الشرعية على موقف من اجل الحفاظ على مصالحها. وهذا واضح من موقف اركون في قراءته للروايات التي جاءت حول آية 'الكلالة' في سورة النساء وما قدمه المترجم من ايضاحات تؤشر لما فهمناه.

 

ضرورة القراءة المفتوحة

 

ويظل مشروع اركون واحدا من القراءات المعاصرة المفتوحة على النقد او الرفض والشجب والاتهام كما اشرنا في البداية لكن جهد اركون يجب التعامل معه بموضوعية وان اتهم كاتبه باللاموضوعية من قبل اطراف حاكمت المفكر على مواقفه السياسية ونظرت الى تجربته باعتبارها جزءا من تجربة الاستشراق - مع انه نقده ورفض آلياته خاصة موقفه من الفليلوجيا التي جربها المستشرقون على التراث الاسلامي. والموضوعية تنبع من ان اركون كان يدعو الى احياء ما يراه الموقف الديناميكي للفكر الاسلامي واخراجه من سكونيته فقد كتب يقول 'لم ازل منذ ثلاثين عاما (اي زمن صدور كتابه اين هو الفكر الاسلامي؟) ادعو الى احياء الموقف الفكري الديناميكي' للمفكرين المسلمين وفي 'الوقت نفسه ادعو الى التخلي عن مبادئهم ومقوماتهم ومناهجهم واشكالياتهم ونظرتهم للعالم والتاريخ والمجتمع' لماذا؟ يجيب اركون 'لان ذلك داخل في الفضاء المعرفي الخاص في القرون الوسطى عند المسلمين كما هو عند اليهود وسائر الثقافات الفكرية والمعرفية'. لهذا فاركون في تشريحه لحال الثقافة الاسلامية والمعرفة ومجالها ظل يرى ان التوتر بين الفكر العلمي (العقل) والظاهرة الدينية ظل قائما. ويضيف ان اكتشافه للجدلية هذه بين العقل والحق والتاريخ 'في اثناء معاشرتي الطويلة المستمرة للمفكرين المسلمين القدماء' ثم ' قابلتها بجدلية العقل الحديث' مضيفا ان المفكرين الغربيين تلقوا الحس النقدي من المسلمين في القرن السادس عشر وجربوها على سياقهم وأدت الى النتائج التي نعرفها. مع التوتر والانفصام وغياب العقل النقدي، يرى اركون ان اي نقد للعقل الاسلامي واحيائه يعني بالضرورة التخلي عن الصور التمجيدية والنمطية التي يقدمها المسلمون عن 'الفلسفة الاسلامية' وتاريخها المتواصل، ملاحظا ما هو اهم ان الفلسفة ظلت غائبة بتاريخها الكامل والمتواصل في معظم الجامعات والمدارس بالبلدان الاسلامية وان درست فيها من ناحية ناقصة.

 

نقد ليس متحيز لمدرسة معينة

 

اكد اركون ان مشروعه لنقد العقل الاسلامي منفتح على كافة المدارس الاسلامية ولا يعنى بمدرسة او اتجاه ضد اتجاه او تيار ضد اخر، بل هو منفتح على الثقافة الغربية التي يرى ضرورة فهمها والاخذ منها، فابن رشد والغزالي ان تأثرا في سجالاتهما بالاغريق والثقافة الهلينية فليس عيبا ان يقوم هو بالاستفادة من بول ريكور وجاك دريدا وميشيل فوكو، وقد وصف مشروعه بانه 'لا يتحيز لمذهب ضد مذهب ولا يقف مع عقيدة ضد اخرى من التي ظهرت وتظهر في التاريخ' مضيفا 'انه مشروع تاريخي انثروبولوجي في آن واحد، انه يثير اسئلة انثروبولوجية في كل مرحلة من مراحل التاريخ '. وعلى الرغم من تفهمه لدوافع ما يسميه الاسلامويين او الاسلام السياسي وسوء فهم الاستشراق لها من ناحية ان الاسلاميين هم نتاج او ضحايا الدولة القومية ـ نمو سكاني متزايد - قهر وتحرر من الاستعمار وخيبات الا انه ظل ناقدا لرتابة فكرهم وعدم نضوجه واكتفائه بالتعميمات واستناده على التفكير المخيالي ـ من الجانب الاسلاموي والغربي.

 

احترام للجانب السياسي عند الاسلامويين

 

وقد كتب قائلا 'انني احترم الجانب السياسي من الخطاب الاسلاموي لانه خطاب جيل طالع نشأ في الجو الايديولوجي الجديد' الذي فرضه الحزب الواحد. ومع ان اركون كان يرفض الموازاة في التحليل بين اطار جغرافي في مسألة الصراع بين الاسلام والغرب، ودين الا انه يرى ان العلاقة بين الطرفين تمت بناء على نمطية مخيالية، وبرزت تمظهراته في أسآلة الحجاب وسلمان رشدي والثورة الاسلامية في ايران. وحول الاخيرة كتب قائلا انه 'بينما حكمت الثورة الانكليزية على شارل الاول بالاعدام عام 1649 والثورة الفرنسية على لويس السادس عشر بالاعدام، ارادت الثورة الاسلامية في ايران ان تلقي القبض على شاه ايران واعدامه لتحول النظام الدستوري الملكي الى نظام امامي موسوم بمسلم'.

 

ضرورة فهم العلمانية

 

والأهم من ذلك فاركون في مشروعه يؤكد على اهمية الفهم والتفسير وسوء فهم للحداثة وما بعدها وحتى العلمانية التي يقول انها لم تفهم جيدا في العالم العربي وعاب في هذا الاتجاه على المثقفين المتنورين في عالمنا العربي خاصة الجابري وحسن حنفي اللذين فشلا في تقديم رؤية متزنة عن العلمانية، فاذا كان هذا هو حال المتنورين فماذا نقول عن العامة؟ كتب اركون الكثير من الدراسات التي تحتاج الى وقفات معمقة وقراءات متزنة لانها قراءات دعت الى النقد والتحرر من اسر القراءات النمطية ودعت لانفتاح النص، صحيح ان الكثيرين يرون في قراءاته التي دعت الى رؤية انسانية للنص او ما اسماه 'الانسنة' تجريدا للنص من قداسته لكن اركون ومن معه كانوا يرون ان انسنة النص لا تعني انهاء العلاقة بينه وبين اصله المقدس، اي يظل النص مقدسا في الاصل والفهم.

 

ضرورة التحرر من استراتيجية الرفض

 

ومن هنا اكد اركون على اهمية تحرر قارئه من 'استراتيجية الرفض' حيث تحدث عن تحررين في العالم الاسلامي الاول كان سياسيا من ربقة الاستعمار والان جاء تحرير العقل 'فكريا'. مشيرا في اكثر من مناسبة الى ان المدارس الغربية حرمت المسلمين او تحاول من انتاج خطاباتهم وتاريخها الخاص. يظل كتابه 'نزعة الانسنة في الفكر العربي' جيل مسكويه والتوحيدي من احسن كتبه هو رسالته للدكتوراة اذ انه سياحة فكرية في العصر الكلاسيكي وقراءة في الظروف والعوامل التي اثرت في مسكويه والتوحيدي، وفي الكتاب مجمل القضايا التي شكلت رحلته الفكرية، حركة الانسنة المجهضة، والعولمة والديمقراطية والاصولية والتأكيد على توافر الاسلام على مرجعيات فكرية تجعله قادرا على الاسهام في المسار الفكري الانساني. وللكاتب اجتهادات في فهم الاجتهاد ووقفات حول الفكر الاسلامي والاصولي ومحادثات حول وضع المسلمين في الغرب والعلاقة بين الاسلام والغرب. ظل اركون مشغولا باحياء دور العقل النقدي في قراءة التراث وتصحيح مسار القراءة له والعمل بجهد على انتاج معجم قادر على التصدي لمفاهيم العصر واحياء السجالات العلمية القديمة، والتحذير من الفهوم الشعبوية للتراث. ومع اعترافه ان الانفصام هو سمة الواقع الحالي للعالم الاسلامي وسبب تأخره الا ان الاسئلة الكبرى ومحدودية المجال الانساني امام ودوافع اركون للانخراط في النص والتفسير تظل محلا للتساؤل، فان كان المفسرون الاوائل قاموا بتفسير النص لخدمة مصالحهم فنقاد اركون سيظلون يطرحون اسئلة حول مشروعه ويثيرون زوابع ومعارك. وهذا هو جوهر المشروع.

 

وفاة المفكر الجزائري محمد أركون

 

15/09/2010  16:58 

 

توفي ليل الثلاثاء في العاصمة الفرنسية باريس المفكر الجزائري محمد أركون بعد معاناة شديدة مع المرض عن عمر ناهز 82 عاما.ولد أركون في بلدة تاوريرت في ولاية تيزي وزو شرق العاصمة الجزائرية عام 1928 وانتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء بولاية عين تموشنت حيث واصل دراسته الابتدائية هناك.أكمل دراسته الثانوية في ولاية وهران ثم التحق بكلية الفلسفة في الجزائر ثم أتم دراسته في جامعة السوربون بباريس.حصل على شهادة الدكتوراه في الآداب، ودرس بجامعات عديدة في أوروبا وأميركا والمغرب، واهتم بدراسة وتحليل الفكر الإسلامي. تم اختياره عضوا باللجنة الوطنية لعلوم الحياة والصحة بفرنسا، وعدة لجان أخرى. ترك أركون مكتبة ثرية بالمؤلفات والكتب، ومن أهم عناوينها: ملامح الفكر الإسلامي الكلاسيكي، دراسات الفكر الإسلامي، الإسلام أمس وغدا، من أجل نقد للعقل الإسلامي، الإسلام أصالة وممارسة، الفكر الإسلامي: قراءة علمية، الإسلام: الأخلاق والسياسة. 

 

 

Oslo and the end of Palestinian independence

 

Joseph Massad*

 

 

The Oslo agreement did not only usher in a new era of Palestinian-Israeli relations but has had a much more lasting effect in transforming the very language through which these relations have been governed internationally and the way the Palestinian leadership viewed them. Not only was the Palestinian vocabulary of liberation, end of colonialism, resistance, fighting racism, ending Israeli violence and theft of the land, independence, the right of return, justice and international law supplanted by new terms like negotiations, agreements, compromise, pragmatism, security assurances, moderation and recognition, all of which had been part of Israel's vocabulary before Oslo and remain so, but also Oslo instituted itself as the language of peace that ipso facto de-legitimises any attempt to resist it as one that supports war, and dismisses all opponents of its surrender of Palestinian rights as opponents of peace. Making the language of surrender of rights the language of peace has also been part of Israel's strategy before and after Oslo, and is also the language of US imperial power, in which Arabs and Muslims were instructed by President Barack Obama in his speech in Cairo last June. Thus the transformation that Oslo brought about was not only a transformation of language as such, but also of the Palestinian language and perspective through which the nature of Palestinian-Israeli relations were viewed by the Palestinian leadership, and that institutionalised instead the Israeli perspective and Israel's vocabulary as neutral and objective. What Oslo aimed to do, therefore, was change the very goal of Palestinian politics from national independence from Israeli colonialism and occupation to one where Palestinians become fully dependent for their political and national survival on Israel and its sponsors in the interest of peace and security for their occupiers.

 

The key transformative formula of the Oslo agreement enshrined in the Declaration of Principles of 13 September 1993 is "Land for Peace". This detrimental formula to internationally recognised Palestinian rights remains the guiding and delimiting approach of all subsequent agreements -- and disagreements -- between the Palestinian Authority (PA) and successive Israeli governments. This formula alone prejudices the entire process by presupposing that Israel has "land" which it would be willing to give to the "Arabs", and that the "Arabs" -- seen as responsible for the state of war with Israel -- can grant Israel the peace for which it has longed for decades. Placing the responsibility of the Arab-Israeli wars on the "Arabs" is a standard view that is never questioned in the Western media or by Western governments. The Palestine Liberation Organisation (PLO) concession, however, has finally ensured that official Palestinians and other official Arabs, too, will not question it. Despite its surface appearance as a political compromise, this formula is in fact a reflection of the racial views characterising (European Jewish) Israelis and Palestinian and other Arabs. Whereas the Israelis are asked and are ostensibly (presented as) willing to negotiate about property, the recognised (Western) bourgeois right par excellence, Palestinians and other Arabs are asked to give up violence -- or more precisely "their" violent means -- as illegitimate and attributable only to uncivilised barbarians. The fact that Palestinians have already given up their rightful claim to 77 per cent of Palestine and were negotiating about their future sovereignty over a mere 23 per cent of their homeland did not qualify for a formula of "land for land" on which to base the "peace process". In fact, the objective formula for any negotiations would be a "land for peace" formula whereby it is Palestinians who are giving up their rights to their historic homeland in exchange for an end to Israeli oppression of -- and colonial violence against -- their people.

 

The PLO, Israel, and the Western media hailed the Oslo agreement as "mutual recognition". This, however, contradicts the actual words uttered by both parties, and the projected actions based on these words. Whereas the PLO (which wrote the first letter) recognised "the right of the state of Israel to exist in peace and security," the Israeli government, "in response" to Yasser Arafat's letter, "has decided to recognise the PLO as the representative of the Palestinian people and commence negotiations with the PLO within the Middle East peace process." But this is not mutual recognition, as the Israelis did not recognise the Palestinian people's right to exist in a state of their own in peace and security as the PLO had done vis-à-vis Israel . Had the PLO only recognised the Rabin government as the representative of the Israeli people, without necessarily granting any "right" to the Israeli state to exist in peace and security, then the PLO's recognition would have been on a par with Israel 's. The actual agreement, therefore, did not amount to mutual recognition; rather, it amounted to the legitimation of the Jewish state by the very people against whom its racist colonial policies have been -- and continue to be --practised, with the Israelis committing to nothing substantively new. Granting the PLO recognition as the representative of the Palestinians (something the majority of the world -- except the US -- had recognised since the mid-1970s) committed Israel to no concessions to the Palestinian people. It committed Israel only to a scenario whereby since the Israeli government was inclined to speak to "representatives" of the Palestinians, it would talk to the PLO, as it now recognised that party as their representative, whereas before it did not. This is precisely why successive Israeli governments and leaders have vacillated on whether they would grant the Palestinians the right to establish an independent state and always refer back to Oslo and subsequent agreements in which they made no such pledge.

 

Having exacted a precious recognition of their legitimacy from their victims, the Israelis moved forward through the mechanism of the Oslo peace process to divide the Palestinians into different groupings, the majority of whom would be expelled outside the peace process. By transforming the PLO, which represented all Palestinians in the Diaspora and in Israel and the occupied territories, including East Jerusalem, into the Palestinian Authority (PA) which could only hope to represent Palestinians of the West Bank and Gaza, constituting one third of the Palestinian people, the Oslo agreements engineered a major demographic reduction of the Palestinian people, dividing them by a factor of three while bringing about a major demographic expansion of the Jewish population of Israel, multiplying their number by a factor of three. The insidious part of this process is how the PA, conscious of this transformation, continues to speak of the "Palestinian people", which had been reduced through the Oslo Accords to those West Bank and Gaza Palestinians it now claims to represent. Diaspora Palestinians are simply referred to, in accordance with US and Israeli parlance, as "refugees", and Israeli Palestinians are referred to by Israeli diktat as "Israeli Arabs". In doing so, not only has the scope of the Palestinian leadership and its representative status of the whole Palestinian people been substantially reduced, but the Palestinian people themselves were diminished demographically by the PA's appropriation of the designation "Palestinian people" to refer to a mere third of Palestinians.

 

In the meantime, the Oslo process which produced phantom agreements like the Geneva Accords, among others, has pushed forward the Israeli claim that Palestinians must recognise Israel's right to exist not only in peace and security but also as a Jewish state, meaning a state that is racist by law and discriminates by law and governance against non-Jewish citizens, and one that encompasses not only its Jewish citizens but Jews everywhere. This is something that has been pushed by the Clinton, Bush, and more recently the Obama administrations. Indeed Obama does not miss an opportunity to reiterate his administration's commitment to force the Palestinians to recognise Israel 's right to be a "Jewish state". While Israel has no legitimacy and is not recognised by any international body as a "representative" of Jews worldwide, but rather as the state of the Israeli people, who are citizens of it, the PLO and the PA are called upon to recognise Israel 's jurisdiction over world Jewry. As such, the internationally recognised status of the PLO as the representative of the Palestinian people has been reduced to one third of Palestinians since Oslo, while the representative status of the Israeli government has been expanded threefold as recognised by the PA's unofficial representatives in Geneva . Binyamin Netanyahu is insistent that no progress will take place in the so-called peace process unless the Palestinians officially recognise Israel 's right to be a racist Jewish state. President Obama has also called on all Arabs to ratify this recognition officially. This has been done despite the fact that the majority of Jews living outside Israel are not Israeli citizens and that no bodies representing them ever endowed the Israeli state with representative powers on their behalf.

 

Dividing and reducing the Palestinian people demographically has gone hand in hand with the territorial reduction of Palestine, or the parts of it that Israel is willing to negotiate over after redeploying its colonial occupation army around. Aside from the removal of the illegally expanded, occupied and colonised East Jerusalem (now expanded to many times its original size at the expense of West Bank lands) from the territories over which Israel would negotiate its redeployment, the West Bank itself has been subdivided into cantons that exclude Jewish colonial settlements and Jewish-only highways connecting them, as well as imposed nature reserves, military bases and closed areas. But this is not all. Israel also built the apartheid wall inside Palestinian land, effectively removing another 10 per cent of the West Bank from the negotiating table and its army redeployment. Another of the more important measures that the Israeli and Palestinian architects of the Oslo agreement took in order to guarantee the structural survival of the Oslo "peace process" was the creation of structures, institutions and classes that would be directly connected to it, and that can survive the collapse of the Oslo agreement itself while preserving the "process" that the agreement generated. This guarantee was enshrined in law and upheld by international funding predicated on the continuation of the "Oslo process", as long as the latter continued to serve Israeli and US interests as well as the interests of the corrupt Palestinian elite that acquiesced in it.

 

The five main classes that the architects of Oslo created to ensure that the "process" survives are: a political class, divided between those elected to serve the Oslo process, whether to the Legislative Council or the executive branch (essentially the position of president of the PA), and those who are appointed to serve those who are elected, whether in the ministries, or in the presidential office; a policing class, numbering in the tens of thousands, whose function is to defend the Oslo process against all Palestinians who try to undermine it. It is divided into a number of security and intelligence bodies competing with one another, all vying to prove that they are most adept at neutralising any threat to the Oslo process. Under Arafat's authority, members of this class inaugurated their services by shooting and killing 14 Palestinians they deemed enemies of the "process" in Gaza in 1994 -- an achievement that earned them the initial respect of the Americans and the Israelis who insisted that the policing class should use more repression to be most effective. Their performance last summer in Jenin of killing Hamas members and unaffiliated bystanders to impress President Obama who asked the Palestinian leadership to keep their security part of the deal is the most recent example of this function.

 

Also: a bureaucratic class attached to the political class and the policing class and that constitutes an administrative body of tens of thousands who execute the orders of those elected and appointed to serve the "process"; an NGO class: another bureaucratic and technical class whose finances fully depend on their serving the Oslo process and ensuring its success through planning and services; and, a business class composed of expatriate Palestinian businessmen as well as local businessmen -- including especially members of the political, policing and bureaucratic classes -- whose income is derived from financial investment in the Oslo process and from profit-making deals that the PA can make possible. While the NGO class mostly does not receive money from the PA, being the beneficiary of foreign governmental and non- governmental financial largesse that is structurally connected to the Oslo process, the political, policing, and bureaucratic classes receive all their legitimate and illegitimate income from the PA directly.

 

By linking the livelihoods of hundreds of thousands of Palestinians to the Oslo process, the architects had given them a crucial stake in its survivability, even and especially if it failed to produce any political results. For the Palestinian elite that took charge of the PA, the main task all along was to ensure that the Oslo process continues and that the elite remain in control of all the institutions that guarantee the survival of the "process". What the elite did not anticipate was that they could lose control to Hamas, a public opponent of the Oslo process that in accordance with expectations had boycotted the 1994 gerrymandered and Fatah- controlled elections. The 2006 elections, which Fatah was confident it would win, constituted an earthquake that could destroy all these structural guarantees and with them the "process" they were designed to protect. Hence the panic of the Americans who engineered the coup with the aid of Israel and PA security under Mohamed Dahlan to topple the Hamas government, which included kidnapping its members of parliament, government ministers, and politicians and holding them hostage in Israeli jails, and finally staging a violent takeover of Gaza that backfired. All attempts since the American failed coup in Gaza have focussed on perpetuating the peace process through maintenance of its structures under PA control and away from the democratically elected Hamas.

 

 

Indeed, the destruction of Palestinian democracy was a necessary price to pay, insisted Israel and the Americans, pushed forward by the military efforts of Lieutenant General Keith Dayton. This situation became possible because of the funding strategy of the US, Israel and Arab oil producing states towards the Palestinian struggle. The story of the Palestinian national movement can only be told through the ways and means that different Arab and non-Arab governments have tried to control it. While the PLO was established and controlled principally by the regime of Gamal Abdel-Nasser, the 1967 defeat weakened that arrangement leading to the revolutionary guerrillas takeover of the organisation in 1969. With Fatah and the leftist Palestinian guerrillas at the helm, the revolutionary potential of the PLO constituted such a threat that it precipitated an all-out war in Jordan in 1970, a situation that powerful and repressive Arab regimes did not want to see repeated. It is in this context that Arab oil money (from Saudi Arabia, Kuwait, Libya, the United Arab Emirates and Iraq) began to pour into the coffers of the PLO, primarily to ensure that it would not encourage revolutionary change in Arab countries and that insofar as it did not compromise Arab regime interests its weapons should only be directed towards Israel. The Lebanese civil war and the PLO role in it in the second half of the 1970s remained a problem but, as far as they were concerned, it was a problem that Arab regimes were able to contain.

 

With the onset of the 1980s and the military defeat of the PLO in 1982 in Beirut, Arab funding for the PLO was no longer conditioned on its not turning its weapons against them only, but that the organisation would also no longer target Israel . The various attempts at agreements between the PLO and King Hussein in the mid- 1980s were part of that plan. With continued Israeli and US refusal to deal with the PLO no matter how much its policy and ideology had changed, the situation remained frozen until the first Palestinian uprising in 1987 gave the PLO the bargaining opportunity to lay down its weapons against Israel . The formalisation of this transformation took place in Algiers in 1988 and later at the Madrid Peace Conference in 1991.

 

As oil funding dried up after the Gulf War of 1990-91, the PLO needed new funders. Enter the United States and its allies whose terms did not only include the Oslo agreement but also that the newly created and Fatah-controlled PA be indeed armed but that its weapons should have a new target: the Palestinian people themselves. The PA obliged and continued to receive its funding until the second Intifada when, contra their raison d'être, some of its security forces did engage the Israelis in gunfire when the Israelis attacked Palestinians. Funding was intermittently stopped, Arafat was placed under house arrest, and the Israelis reinvaded. A resumption of steady funding continued after Arafat's death conditional upon Mahmoud Abbas's "seriousness" in pointing Palestinian guns at the Palestinians themselves, which he and the PA's thuggish security apparatuses have done. However, they have not been as effective as the US and Israel had wished, which is why General Dayton is assuming full control of the military situation on the ground in order to "assist" the Palestinians to deliver their peace part of the bargain to Israel .

 

Note that throughout the last 16 years, Israeli leaders have consistently said, in line with the formula of land for peace, that they want and seek peace with the Palestinians, but not the establishment of a Palestinian state, nor in order to ensure the Palestinians' right to self- determination. Indeed, not only has Israel multiplied the number of settlements and more than doubled the Jewish colonial settler population of the West Bank and East Jerusalem, chipping away at more of the land that was said to be under negotiations, it has done so while consistently exacting more Palestinian concessions to ensure Israeli "security" in order for the Palestinians to give Israel the "peace" on which the formula of "land for peace" is based. The Americans and the Europeans have also insisted that the Palestinians must give Israel peace before it can decide which lands to give them back and under whichever arrangement it finds most ensuring of this "peace". Therefore, what land for peace -- despite or because of its definitional prejudice against the Palestinian people -- has brought about is a perpetual deferment of the return of land with insistent demands of advance payments on the peace the Palestinians must deliver. While the redeployment around Gaza and laying siege to its population, starving and bombarding them, is marketed as Israel's compromising by returning land, the reality remains that the Gaza Strip has been transformed from a prison policed by the Israelis into a concentration camp guarded and surrounded by them from the outside with infiltration inside as the need arises, as it did last winter.

 

Ultimately then, what the Oslo agreement and the process it generated have achieved is a foreclosure of any real or imagined future independence of the Palestinian leadership, or even national independence for one third of the Palestinians in the West Bank and Gaza who are, at any rate, the only Palestinians that the Oslo agreement claims to want to help achieve it. By mortgaging the Palestinian leadership to US and Israeli sponsorship, by creating and maintaining administrative, legal and financial structures that will ensure this dependence, Oslo has been what it was designed to be from the start: the mechanism of ending the Palestinian quest to end Israeli colonialism and occupation, and the legitimation of Israel's racist nature by the very people over whom it exercises its colonial and racist dominion. Anyone who questions these strictures can be fought with the ideological weapon of pragmatism. Opposing Oslo makes one a utopian extremist and rejectionist, while participating in its structure makes one a pragmatist moderate person working for peace. The most effective ideological weapon that Oslo has deployed since 1993 is precisely that anyone who opposes its full surrender of Palestinian national rights is a proponent of war and an opponent of peace. In short, the goal of the Oslo process, which has been reached with much success, is not the establishment of Palestinian independence from Israel 's illegal occupation, but rather to end Palestinian independence as a future goal and as a current reality. Seen from this angle, Oslo continues to be a resounding success.

 

Al-Ahram Weekly

 

 

* The writer teaches modern Arab politics and intellectual history at Columbia University. This is the text of a speech he delivered at a conference in Oslo in 2009.

 

 

The Lesson of Haiti

 

Reflections of Fidel Castro

 

 

TWO days ago, at almost six o’clock in the evening Cuban time and when, given its geographical location, night had already fallen in Haiti, television stations began to broadcast the news that a violent earthquake – measuring 7.3 on the Richter scale – had severely struck Port-au-Prince . The seismic phenomenon originated from a tectonic fault located in the sea just 15 kilometers from the Haitian capital, a city where 80% of the population inhabit fragile homes built of adobe and mud.

 

The news continued almost without interruption for hours. There was no footage, but it was confirmed that many public buildings, hospitals, schools and more solidly-constructed facilities were reported collapsed. I have read that an earthquake of the magnitude of 7.3 is equivalent to the energy released by an explosion of 400,000 tons of TNT.

 

Tragic descriptions were transmitted. Wounded people in the streets were crying out for medical help, surrounded by ruins under which their relatives were buried. No one, however, was able to broadcast a single image for several hours.

 

The news took all of us by surprise. Many of us have frequently heard about hurricanes and severe flooding in Haiti , but were not aware of the fact that this neighboring country ran the risk of a massive earthquake. It has come to light on this occasion that 200 years ago, a massive earthquake similarly affected this city, which would have been the home of just a few thousand inhabitants at that time.

 

 

At midnight, there was still no mention of an approximate figure in terms of victims. High-ranking United Nations officials and several heads of government discussed the moving events and announced that they would send emergency brigades to help. Given that MINUSTAH (United Stabilization Mission in Haiti ) troops are deployed there – UN forces from various countries – some defense ministers were talking about possible casualties among their personnel.

 

It was only yesterday, Wednesday morning, when the sad news began to arrive of enormous human losses among the population, and even institutions such as the United Nations mentioned that some of their buildings in that country had collapsed, a word that does not say anything in itself but could mean a lot.

 

For hours, increasingly more traumatic news continued to arrive about the situation in this sister nation. Figures related to the number of fatal victims were discussed, which fluctuated, according to various versions, between 30,000 and 100,000. The images are devastating; it is evident that the catastrophic event has been given widespread coverage around the world, and many governments, sincerely moved by the disaster, are making efforts to cooperate according to their resources.

 

The tragedy has genuinely moved a significant number of people, particularly those in which that quality is innate. But perhaps very few of them have stopped to consider why Haiti is such a poor country. Why does almost 50% of its population depend on family remittances sent from abroad? Why not analyze the realities that led Haiti to its current situation and this enormous suffering as well?

 

The most curious aspect of this story is that no one has said a single word to recall the fact that Haiti was the first country in which 400,000 Africans, enslaved and trafficked by Europeans, rose up against 30,000 white slave masters on the sugar and coffee plantations, thus undertaking the first great social revolution in our hemisphere. Pages of insurmountable glory were written there. Napoleon’s most eminent general was defeated there. Haiti is the net product of colonialism and imperialism, of more than one century of the employment of its human resources in the toughest forms of work, of military interventions and the extraction of its natural resources.

 

This historic oversight would not be so serious if it were not for the real fact that Haiti constitutes the disgrace of our era, in a world where the exploitation and pillage of the vast majority of the planet’s inhabitants prevails.

 

Billions of people in Latin American, Africa and Asia are suffering similar shortages although perhaps not to such a degree as in the case of Haiti .

 

 

Situations like that of that country should not exist in any part of the planet, where tens of thousands of cities and towns abound in similar or worse conditions, by virtue of an unjust international economic and political order imposed on the world. The world population is not only threatened by natural disasters such as that of Haiti, which is a just a pallid shadow of what could take place in the planet as a result of climate change, which really was the object of ridicule, derision, and deception in Copenhagen.

 

It is only just to say to all the countries and institutions that have lost citizens or personnel because of the natural disaster in Haiti : we do not doubt that in this case, the greatest effort will be made to save human lives and alleviate the pain of this long-suffering people. We cannot blame them for the natural phenomenon that has taken place there, even if we do not agree with the policy adopted with Haiti .

 

But I have to express the opinion that it is now time to look for real and lasting solutions for that sister nation.

 

In the field of healthcare and other areas, Cuba – despite being a poor and blockaded country – has been cooperating with the Haitian people for many years. Around 400 doctors and healthcare experts are offering their services free of charge to the Haitian people. Our doctors are working every day in 227 of the country’s 337 communes. On the other hand, at least 400 young Haitians have trained as doctors in our homeland. They will now work with the reinforcement brigade which traveled there yesterday to save lives in this critical situation. Thus, without any special effort being made, up to 1,000 doctors and healthcare experts can be mobilized, almost all of whom are already there willing to cooperate with any other state that wishes to save the lives of the Haitian people and rehabilitate the injured.

 

Another significant number of young Haitians are currently studying medicine in Cuba .

 

We are also cooperating with the Haitian people in other areas within our reach. However, there can be no other form of cooperation worthy of being described as such than fighting in the field of ideas and political action in order to put an end to the limitless tragedy suffered by a large number of nations such as Haiti .

 

The head of our medical brigade reported: "The situation is difficult, but we have already started saving lives." He made that statement in a succinct message hours after his arrival yesterday in Port-au-Prince with additional medical reinforcements.

 

Later that night, he reported that Cuban doctors and ELAM ’s Haitian graduates were being deployed throughout the country. They had already seen more than 1,000 patients in Port-au-Prince , immediately establishing and putting into operation a hospital that had not collapsed and using field hospitals where necessary. They were preparing to swiftly set up other centers for emergency care.

 

We feel a wholesome pride for the cooperation that, in these tragic instances, Cuba doctors and young Haitian doctors who trained in Cuba are offering our brothers and sisters in Haiti !

 

Granma

 

 

دخول المسلمين إلى الأندلس: قراءة مغايرة

 

محمود يوسف خضر

 

6/23/2010

 

لقد ســاعد الكونت يوليان حاكم مدينة سبتة العرب على عبور المضيق إلى إسبانيا، ودخلوها على متن سفن يوليان منتصرين عام 711م / 92هـ بقيادة طارق بن زياد وساهم في انتصار المسلمين، ما كان يعانيه الشعب الإسباني من البؤس والظلم والضرائب ووقع عبء الدفاع عن الوطن على جماعات فاقدة للحرية لا يهمها الذود عنه، وكان الشعب الإسباني يتطلع للخلاص من الحكام القوط ويستعجل قدوم العرب الفاتحين، ولا شك في أن تدخل يوليان حاكم سبتة لمعاونة العرب كان من أكبر العوامل على تذليل الفتح ودخول إسبانيا وقضاء العرب على المملكة القوطية.في واقع الأمر، لم يكن الكونت يوليان حاكم مدينة سبتة وحلفاؤه من أنصار الحكم الملكي القوطي القديم يقصدون بمعاونة العرب على عبور المضيق والنزول إلى شواطئ الجنوب الإسباني أن يمتلك العرب إسبانيا ويحكموها إلى الأبد، بل كانت خطتهم من التحالف مع العرب ومساعدتهم على دخول إسبانيا هي استخدامهم في ضرب ومحاربة رودريك وإسقاطه من على عرش إسبانيا فيخلو الميدان للكونت يوليان ويصبح هو الملك وينتقم من رودريك وأنصاره.كان الكونت وأنصاره يعتقدون أن العرب متى دخلوا إسبانيا وفازوا بالأسلاب والغنائم وامتلأت بها جيوبهم وبما حمّلوه على دوابهم سوف يعودون إلى افريقية. ومن ناحيته كان موسى بن نصير يؤكد لهم أنه لا يقصد بالغزو سوى كسب الغنائم والأسلاب والافتخار أمام الخليفة الأموي بأنه عبر البحر إلى إسبانيا فاتحاً، كما أكد أنه لا ينوي البقاء في إسبانيا أو إنشاء دولة إسلامية فيها، وكان في الواقع قد علم بأحوال مملكة القوط وانحلالها وتفككها وخصب أراضيها، وثرواتها.استجاب موسى بن نصير إلى دعوة الكونت يوليان، واجتمعا معاً في سفينة راسية في المضيق، وكل واحد منهما يضمر خطته في نفسه، وعرض يوليان على موسى تسليم سبتة وكل معاقلها إلى العرب، كما عرض الكونت أن يقدم سفن أسطوله لنقل جنود المسلمين وعتادهم عبر المضيق، كما أعلن عن استعداده لإرشاد المسلمين، وتيسير دخولهم إلى إسبانيا منتصرين. الحرب التي دارت بين المسلمين والمسيحيين في إسبانيا تثير التباساً حول المصطلح، فهل هي حرب يحركها الصراع من أجل امتلاك الثروات وقهر الآخر، أم هي فتح تحركه الدوافع الدينية من أجل نشر الدين الإسلامي؟ وهل نستطيع الحكم الآن على طبيعة الصراع بعد أن انتهت تلك الحقبة التاريخية بالنتيجة المعروفة للجميع؟ الإجابة ليست بسهولة طرح السؤال، فالكلمات موجودة على ناصية الطريق ولكنها بحاجة إلى شاعر كي يصيغها في نسق شعري فتولد قصيدة يحتفظ بها الزمان، فالصراع بين الشعوب إن لم ينتقل من عنصر الرغبة في الامتلاك إلى القدرة على تطوير ما نملك وإلى نسق يجعلنا أكثر فعالية على الارتقاء بمجتمعاتنا، فإن مآلها حرب وليس فتحاً وسيظل الصراع هو المحرك الرئيسي للتاريخ، أياً كان شكله . لم يكن جوهر الصراع دينياً إلا في صوريته فقط لإخفاء حقيقة الصراع على السلطة والثروة، وحوادث كثيرة في الأندلس تثبت تلك الرؤية، وإن لم يكن الأمر على هذا النحو فلماذا تحالف ابن الأحمر مع الملك فرديناند ضد مسلمي إشبيلية حتى سقطت كحبة الرمان في حجر ملك قشتالة النصراني عام 1248م، وبمـاذا نفسر تحالف عبد الله الصغير/ ببدول الشيكو ضد أبيه مولاي أبو الحسن أولاً وضد عمه مولاي الزغل ثانياً ونال شرف تقبيل يد فرديناند وإيزابيلا وأصبح مولى من مواليهما بعد أن تنصر. لماذا يتم الحديث دائماً عن الأندلس وكأنها الفردوس المفقود وإظهار البطولات فقط، كيف لنا أن نتعلم من تاريخنا، كيف لنا الاستفادة من المعرفة وتوظيفها لصنع مستقبل أفضل، إذا تجاهلنا الدناءات والخساسة والخيانة التي كانت تسير جنباً إلى جنب منذ دخول طارق بن زياد إلى الأندلس عام 92هـ / 712م حتى خروج آخر ملوك العرب منها عبد الله الصغير عام 1492م. لماذا عملت محاكم التفتيش على تنصير العرب في إسبانيا بين سقوط غرناطة عام 1492م وحتى صدور أمر فيليب الثالث بإقصائهم نهائياً عن إسبانيا عام 1618م، وهم يعلنون ويتمسكون بأنهم مسيحيون. وقد كان لعنف محاكم التفتيش مع المسلمين واليهود والمسيحيين في بعض الأحيان، دافعاً لظهور شعار فصل الدين عن الدولة ودفع الرهبان والقساوسة إلى الأديرة والكنائس، وتلك كانت بداية قيام ديمقراطية المؤسسات في الغرب وانبثاق براعم الحداثة الغربية، وإن أردنا الدقة، فإنها بداية العلمانية. فالتاريخ في نهاية المطاف ليس قصصاً وروايات تروى عن ثقاة، وإنما هو أحداث وقعت وأخرى مشكوك في صدقية حدوثها وينبغي وضعها في بوتقة المنطق والعقل وما كان منها يتماشى مع العقل قبلناه وما كان منها لا يستقيم مع المنطق رفضناه، فالمجال للخرافات والأساطير ليــس كتب التاريخ، ففي عصور الانحطاط والتفكك يختلط الراوي مع الرواية والعلمي مع الغيبي ويعلو شأن الجهلة وسفلة القوم وتروج قصصهم ويصدقها الناس، إننا نسعى إلى فهم التاريخ من خلال الحقيقة ليس بهدف الفهم فقط بل من أجل التغيير، فالتاريخ هو شكل من أشكال المستقبل، فالانتقال من التفكير الخرافي إلى التفكير العلمي ونشر الثقافة العلمية أصبح ضرورة ملحة في ظل الانحطاط والتدهور في الحالة العربية الآيلة للسقوط على أيدي الجهلة المتنفذين والفقهاء المتحجرين، وينطبق عليها نصيحة ابن غومس إلى صديقه شنجول ' خذ باليقين ودع الظن، فأمرك والله مختل وجندك عليك لا لك'.ما نحن عليه اليوم هو نتاج التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لما مرّ علينا ومن دون القراءة النقدية لهذا التاريخ لن نستطيع تتبع تطور مآلاتنا في المستقبل، وبقدر انعدام القدرة على التأليف في التاريخ، يسعى الباحث إلى تتبع الأحداث ومحاولة تفسيرها، فعلينا إعادة قراءة الأحداث وفقا لتسلسلها ولنتائجها ومسبباتها ملقين الضوء على طبيعة الصراع متتبعين الخيط المتعرج يمنة ويسرة صعوداً وهبوطاً وفقاً لما جرى من أحداث . مـا نحتاجه هو المعرفة التي تثرينا وتساعدنا على التقدم وتعطينا القوة لمواجهة الحياة، فالعلم والمعرفة هما الطريق إلى الحقيقة، مع يقيننا بأنه توجد الكثير من الكتب عديمة القيمة، مليئة بالأوهام التي اكتسبت قوة الحقيقة وارتدت رداء المعرفة لأننا لا نصدق ما نقرأه وإنما نصدق ما يلاقي صدىً طيباً في نفوســنا، وعلينا مجابهة الحقائق بحلوها ومرها ســـعياً إلى الحقيقة خلال زيارتنا القصيرة إلى الحياة، وبوسع المرء أن يتساءل: أليس غريباً أن يغيب العلم والتقدم عن العالم الإسلامي ويبقى الجهل والتخلف فيه؟.

 

كاتب من فلسطين

 

 

الشرق والغرب فضاءان ذهنيان

 

خوان غويتسولو

 

05/02/2010

 

ترجمة: عبد اللطيف البازي

 

(نشر النص بالاسبانية، في 8 كانون الثاني / يناير 2010)

 

 

دأب المركز الثقافي ' الأندلس' بمدينة مارتيل - شمال المغرب- في إطار مشروع مدرسة المواطنة على تنظيم ندوة كل ثلاثة أشهر وذلك بدعوة أديب من بلد ما ليتحدث انطلاقا من منظوره الخاص عن علاقة الشرق بالغرب. استضاف المركز في 14 من كانون الثاني ( يناير) الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو، الذي ألقى محاضرة تحت عنوان: ( الشرق والغرب فضاءان ذهنيان).' كل من يكتب عن الشرق ينبغي عليه أن يحدد موقعه إزاء هذا الشرق' إدوارد سعيد.

 

منذ بضع سنوات، وبينما كنت أحتسي كأس قهوة في ساحة جامع الفناء بمراكش، حيتني سائحة فرنسية وهي تقترب مني، قبل أن تعبر لي عن تأثرها البليغ بتواجدها في الشرق. الشرق؟ نعم، البازارات، الأسواق، روائح البهارات، ما يشبه حكاية شرقية، أليس كذلك؟ لم تكن لدي لا الشجاعة ولا ما يكفي من الصبر لأقول لها إن الشرق والغرب، باعتبارهما فضاءين ذهنيين في متخيلنا الجمعي، لا يحيلان على حقيقة جغرافية. فالمغرب، بالنسبة إلى العرب، هو المغرب الأقصى، هكذا، شيء بعيد وغرائبي، كما كانت دمشق والقاهرة بالنسبة إلينا قبل ظهور الطائرات ذات التكلفة المنخفضة. إن الحديث بلغة سياسية معاصرة عن الشرق والغرب يعني استعمال كناية: فالأخير يحيل على أوروبا والعالم الأمريكي الذي خلقته، بينما يحيل الثاني على الإسلام. يتعلق الأمر بكلمتين متضادتين منذ قرون. وكونهما في حالة مواجهة لا يمكن تفاديها، على ما يبدو، يجسد للبعض صراع الحضارات الشهير الذي أسال الكثير من المداد منذ أواسط العقد المنصرم، خاصة بعد تفجيرات 11 أيلول ( سبتمبر). وبينما كان الإسلام يعتبر حاجزا لسد الطريق أمام التوسع السوفييتي، سيتحول من جديد إلى رمز للبربرية. وهكذا، مع موت الشيوعية، سيبرز الإسلام من جديد. فبعد استراحة قصيرة مردها إلى سقوط جدار برلين، الذي جعلنا نحلم بنهاية التاريخ، سوف تستعيد لغة الحرب الباردة هذه حضورها في المحيط السياسي - الديني خلال الفترة الرئاسية الإمبراطورية لجورج بوش الابن: الدفاع عن الديمقراطية والحريات في مواجهة الإيديولوجية الشمولية التي تستعمل الإرهاب سلاحا من أجل الدمار الشامل.

 

إن التطرف الجذري لابن لادن، والذي يوجهه أساسا ضد أولئك المسلمين أنفسهم الذين لا يتبنون تصوره للجهاد، يوجهه بعد ذلك ضد من يسميهم ' الصهاينة والصليبيين'، بينما سيفرض الرئيس الأمريكي السابق ومن معه تصورا ذا طبيعة نقيضة لا يشمل جماعات القاعدة المتخفية فقط، ولكن شركاءها المحتملين أيضا: صدام حسين وإيران التي يحكمها آيات الله، المندرجون ضمن محور غير عملي، تمت صياغته بشكل غير متقن، هو محور الشر. أما التمييز بين مسلم وإسلامي وجهادي، فقد تم اختلاقه من طرف دعاة تلفزيين وقساوسة عسكريين متنكرين في هيئة مستشارين سياسيين. هكذا تم تقديم صدام الحضارات ما بين الدول الديمقراطية المنتمية إلى التحالف الأطلسي وبين تلك المقتنعة بالإسلام، ما بين كتائب الحرية وبين القوى الظلامية القامعة. ومثل هذا التصور ما كان بإمكانه أن يؤدي إلا إلى الكارثة التي لا نزال نعاني من مضاعفاتها إلى اليوم. هكذا كنا شهودا، انطلاقا من 11 أيلول ( سبتمبر)، على حربين خلفتا الكثير من الضحايا: واحدة بتفويض من المنتظم الدولي، مع سوء في التصور وسوء أكبر في التنفيذ، وهي تلك التي تجري أطوارها في أفغانستان. والحرب الثانية التي هي حرب العراق، وهي نتاج جشع وسلسلة من الأكاذيب المكسوة بوطنية زائفة. أما مكتسباتها السياسية فلا يمكنها تعويض التدمير الذي لحق بالبنيات التحتية والمواجهات بين مكوناتها الإثنية ـ الدينية الثلاثة ( دون إغفال اضطهاد الأقلية المسيحية التي عاشت دوما هناك) ولا العدد المرتفع للضحايا ( بمن فيهم الأمريكيون).

 

ولقد صاحبت هاتين الحربين آلات ضخمة للدعاية، تعتمد على خلط الأوراق ومعاملة الجزء على أنه كل. إن تنوع الأوضاع والثقافات والتقاليد الدينية الموجودة في المجال الإسلامي هو من الغنى والتعقيد، مثلما هي حالة المسيحية كذلك، غير أنه لا شيء من هذا كان يهم البنتاغون أو البيت الأبيض. فكل ما كان يستجيب لمصالح طاقية، ولاستراتيجية أحادية الجانب هدفها تقوية موقع القوة الأولى في الكرة الأرضية، تحول إلى مهمة عنوانها ' إيصال الحضارة'، كما في زمن الاستعمار الأوروبي. ومن خلال الفشل المدوي لذلك الهدف المرسوم، يتبين إلى أي حد كان هؤلاء يسيرون في الاتجاه الخاطئ. وبينما يتم النظر بنوع من المسافة وبرفق وتسامح إلى مختلف المعتقدات والأنظمة الدينية بالفضاء الآسيوي: الكونفوشية، الإبراهيمية، البوذية، إلخ، فإن الإسلام، كما أشار إلى ذلك في حينه المؤرخ التونسي الكبير هشام جعيط، يجسد عقيدة أقرب إلى الغربيين وإن كان يصعب عليهم، في نفس الآن، تمثلها. وقد كان النزوع التوسعي لهذه العقيدة مدعاة قلق بالنسبة إلينا، لأننا كنا نرى فيها انعكاسا لصورنا. وإذا كانت هنالك فترات من السلم، أو على الأقل من التوازن، بين هاتين القطعتين المشكلتين من أثواب مختلفة الألوان، واللتين ندعوهما المسيحية والإسلام، فإن الذكرى التي هيمنت على متخيل كلا الطرفين هي التي تظهر فيها الغزوات والانتصارات والهزائم والحروب الصليبية وحروب أخرى مقدسة. كل هذا التاريخ من الصراع الطويل والمشترك، المليء بتغير المواقع والاهتزازات، انتهى منذ ما يزيد عن قرن بالانتصار التام للقوى الأوروبية: سقوط الإمبراطورية العثمانية، إلغاء النظام الخليفي، احتلال الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط من مضيق جبل طارق إلى تركيا. في حين أن دولة أتاتورك العلمانية وتمرد عبد الكريم الخطابي بالريف كانا مؤشرين واضحين على أن مرحلة تاريخية جديدة تتخلق. وهو ما أكدته الوقائع بعد ثلاثة عقود من ذلك. كل هذا يبدو الآن بعيدا. لكن، علينا أن نمسك بالماضي لنفهم الحاضر، وألا نكرر أخطاء سابقة. ينبغي أن نفسر يوما ما لماذا وكيف سقطت الحركات التحررية في العالم العربي الواحدة تلو الأخرى بين أيدي دكتاتوريين أو تحت ثقل أنظمة ملكية، من المغرب حتى العراق، إلى حد يصعب معه التمييز بين السلالات الجمهورية المحدثة منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في البلدان المغاربية وبلدان الشرق الأوسط، مع أن تلك الحركات التحررية كانت لها منطلقات علمانية وطموحات ديمقراطية. وفي الوقت الذي أصبحت فيه بلاغة الجامعة العربية بمثابة نكتة سمجة ( يكفي التذكير بالفرجة التي قدمتها خلال الغزو الإسرائيلي لغزة) فإن عودة الدين، سواء في المجال العمومي أو المجال الخصوصي، تكشف مدى عجز الشعوب ودرجة نفورها من السياسة، بما يؤذي القيم الديمقراطية ويمس حقوق المرأة في المنطقة. تحدثت عن إتلاف تراث شخصيات تزعمت حركات التحرير العربية ـ قومية وعلمانية وديمقراطية- شخصيات وحركات مضطهدة من طرف من يزعمون نقل الحضارة الأوربية، أو من طرف أنظمة ملكية أو أشباهها في مرحلة لاحقة. وفي الوقت الذي تلقى فيه الإصلاحيون والمنشقون عن الحرب الشيوعي السوفييتي الدعم المادي والمعنوي من الغرب خلال الحرب الباردة، فقد تم التخلي عن تلك الحركات المنتمية إلى البلدان العربية بنوع صريح من اللامبالاة، أو بحد أدنى من التواطؤ. وكانت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لإنكلترا وفرنسا ذات أولوية على حساب القيم التي تم الدفاع عنها في ما قبل. وفي الأخير، كانت نتيجة كل هذا كارثية. والإحصائيات المتعلقة بالوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي تحدثنا عن ذلك. وسأسمح لنفسي بأن استشهد بمقطع من أحد هذه الإحصائيات، اطلعت عليه منذ مدة، وربما صار في حاجة إلى بعض التحيين، ويتعلق الأمر بإحصائيات تهم مجموع الفضاء الإسلامي:

 

( في العالم الإسلامي، القدرة الاستهلاكية للفرد تقارب 3700 دولار مقابل 28.000 دولار في البلدان المتقدمة. ومجموع الإنتاج الداخلي الخام للدول الإسلامية هو أقل من الإنتاج الداخلي لألمانيا. أما الإنتاج الداخلي الخام لمجموع العالم العربي فهو بالكاد أعلى من نظيره في اسبانيا. و 47 في المئة من المسلمين أميون عاجزون عن القراءة والكتابة ولم يتابعوا قط دراسة منظمة. لذا، فإن هنالك أزمة معرفة واضحة. فالعربية هي لغة ما يقارب ثلاثمئة مليون فرد، بينما ينشر سنويا عدد أكبر باليونانية منه بالعربية، رغم أن اليونانية يتواصل بها 15 مليون نسمة فقط. وفي العالم الإسلامي، تبقى هنالك فقط 500 جامعة، مقارنة مع 5 آلاف جامعة، تلك المتواجدة بالولايات المتحدة الأمريكية... الخ'.

 

إن هذا العرض المقتضب للوقائع لبالغ الدلالة. واللاتوازن الصارخ الموجود بين أوروبا والدول العربية الإسلامية لا يرجع فقط إلى عوامل ذات طبيعة دينية، أو إلى مجرد أنه قد تم إشهار سور من القرآن تبرز العنف، بل مرده إلى عوامل اجتماعية وسياسية وثقافية يتم كساؤها بغطاء الكتاب المقدس. عوامل وجب علينا تحليلها بتمعن، لتوجيه علاقتنا مع العرب والمسلمين في المستقبل. وعلينا ألا نثقل كاهلنا بتحمل كل المسؤولية، فمسؤولياتهم هي بنفس خطورة مسؤولياتنا.

 

إن السلطة الاجتماعية المتنامية للقوى المحافظة والتقليدية المتشبثة بتأويل جامد لنصوص الوحي، وبالدفاع عن قوانين وأعراف تنتمي إلى مرحلة ولت، خاصة في ما يتعلق بوضع المرأة، هي نتيجة الإحباط المتراكم خلال عقود إزاء ارتشاء النخب الحاكمة والديكتاتوريات التي تخلد في الحكم. والمهازل الانتخابية التي تتكرر في جميع الدول العربية لا تستطيع الوقوف في وجه انتشار التيار الإسلامي بل هي، وعلى العكس من ذلك، إنما تقوم بتقويته، وتجعل منه بديلا منتظرا. وفي الفضاء الواسع للإسلام، من دولة إلى أخرى، يتغير ميزان القوى المؤطر للعلاقات بين السلطة، التي تعمد إلى هذا القدر أو ذاك من القمع، وبين المجتمع المدني المحاصر: من الغياب شبه التام لهذا المجتمع المدني، إلى صراع يتطلب قدرا كبيرا من الجهد من طرف أقليات لا تخاف المواجهة، وتطالب بقيم مدنية نتقاسمها، بعيدا عن المجال الديني، ومن غير أن تتعارض معه. هذا الترابط لا يقدم نفسه في المغرب كما يقدمها في مصر، وليس هو نفسه في دولة علمانية مثل تركيا أو في بلد بالغ التعقيد، ذي ثقافة غنية ومتناقضة كالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

ما كل شيء معتم في كوكبنا المعولم هذا. وتراجع القيم الديمقراطية في دار الإسلام يمكن الحد منه. فالإصلاحيون موجودون، وهم يُسمعون أصواتهم: أعرفهم وتحادثت معهم، سواء في إيران أو في الشرق الأوسط أو في المغرب العربي. هم ديمقراطيون ومسلمون في نفس الآن. وهم، من خلال النموذج الذي يمثلونه، يفندون فكرة صدام الحضارات، ويطالبون بالحقوق التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة ويؤطرون جمعيات تضطلع فيه النساء بدور حيوي. كما أنهم، رجالا ونساء، يبحثون عن تحالف وتفاهم مع جهات يشتركون معها في تبني نفس القيم، دون أن تؤثر فيهم عدوانية مواطنيهم أو تراخيهم. وفي مواجهة بلاغة الحرب على الإرهاب والبيانات الملتهبة للقاعدة والجمود المخطط له للحكومات، ينتظرون، بكل ثقة، تغير السياسة الأوروبية والأمريكية.

 

سيكون من المؤسف أن تختزل الكلمات الطيبة لأوباما في خطاباته بأنقرة والقاهرة في مجرد كلمات طيبة، فقط، إزاء التعنت الأعمى للحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة لفلسطين، والورطة الأفغانية، وسياسة الرعب التي تخص بها دلهي الجديدة إقليم كاشمير، والقمع والتحدي النووي الإيرانيين، والعديد من الأمثلة الأخرى. ومع كل هذا، فالاقتناع بأن القوة لوحدها لا يمكنها أن تحل المشاكل، ولا هي بالبديل الأمثل للتطرف، خطوة سديدة في الاتجاه السديد.

 

 

البدء بتوسيع مستوطنة معاليه ادوميم فضيحة لأنه يمنع التواصل بين شمالي الضفة وجنوبها ويجعل الدولة الفلسطينية المرتقبة مقطعة الأوصال

 

محطة الشرطة تبنى بتمويل جمعية يمينية

 

أوري مسغاف

 

22/01/2010

 

على رأس التلة المرتفعة ينتصب المبنى مثل قصر استعماري أقيم في العالم الثالث. من حوله مناطق رعي شحيحة تعود لقرى المنطقة وقطيع من الاغنام الباحثة عن الاعشاب وراعيين فلسطينيين ينظران بارتياب. كما أن الظبي ذو القرون الحادة العابر في مسار السفر يلقي نظرة فزعة ويفر هاربا.

 

أهلا بالقادمين الى مقر لواء يهودا والسامرة في شرطة اسرائيل.

 

الطريق يصعد لاعلى التلة. تتكشف أمام الأعين بنية تحتية لبناء يبعث على الاعجاب: مناطق مرصوفة وحواش ٍ مزينة بالصخور وساحات المرور وحواجز أمنية وأعمدة كهرباء واضاءة. لافتات كبيرة تعود لبلدية معاليه ادوميم المجاورة توجه المسافر نحو 'مباسريت ادوميم' الحي السكني الذي ما زال حتى اليوم وهميا. تمت المصادقة على اقامة هذا الحي من قبل حكومة شارون في عام 2004 ولكن المشروع فرمل بسرعة بضغط امريكي. ان اقيم هذا الحي فسيشمل 3900 وحدة سكنية. حتى الان لم يصدر ترخيص البدء في البناء. جسر جديد واسع سيربط معاليه ادوميم بالحي الجديد قد أقيم في الوقت الحالي وهو منتصب على الارض. هذا الجسر مغلق امام حركة المرور حاليا.

 

اقامة المقر الجديد لشرطة لواء يهودا والسامرة بدأت في 2005 وانتهت في عام 2008. هذا المبنى يقع في المنطقة المسماة E-1التي تعتبر نقطة اختلاف دراماتيكية جدا بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية والوسيط الامريكي. بناء هذا المقر من قبل حكومة اسرائيل اعتبر خرقا فظا للوضع السياسي القائم وقد أثار انتقادات حادة جدا. محكمة العدل العليا كانت قد تداولت بدعوى قضائية قدمها مواطنون فلسطينيون ومنظمات حقوق الانسان بصدد مصادرات الاراضي المطلوبة من اجل البناء وقد تم رد الدعوى. الا ان هذا ما هو الا طرف كتلة الجليد الضخمة فقط كما يتبين.

 

التحقيق الصحافي الحالي يكشف النقاب عن حقائق مفاجئة جدا بصدد تمويل بناء المقر الجديد لشرطة اسرائيل. وفقا للنتائج التي توصلنا اليها قامت ميزانية الدولة بتمويل جزء صغير فقط من المشروع اما الجزء الاعظم فقد مول من قبل جهتين خصوصيتين مع ميول سياسي: وقف الطائفة البخارية وشركة 'كيرن شليم محدودة الضمان' ـ وهي شركة تابعة لجمعية متفرعة عن جمعية العاد المقدسية.

 

تمويل البناء من قبل وقف الطائفة البخارية تم في وضح النهار في اطار اتفاق تضمن اخلاء مقر الشرطة القديم في حي راس العامود في شرقي القدس وتسليمه للطائفة البخارية التي كانت تمتلكه قبل حرب 1948. مقابل اعادة هذا العقار مول الوقف البخاري جزءا من اعمال البناء في المقر الجديد.

 

خلال المداولات في محكمة العدل العليا ادعت الدولة بأنه لم يتم استلام أموال من منظمات وهيئات خصوصية اخرى من اجل تمويل اعمال البناء وان وقف الطائفة البخارية تحمل عبء التمويل وحده. الا ان التحقق المعمق الذي اجراه المحاسب العام في وزارة المالية يبرهن على ان شركة خاصة اسمها 'كيرن شليم م.ض' قد مولت اقامة المقر الجديد للشرطة والبنية التحتية المحيطة به بملايين الشواقل.

 

'كيرن شليم م.ض' هي شركة متفرعة عن جمعية 'كيرن شليم يروشلايم' وهي جمعية متفرعة عن جمعية العاد (اختصار لاسم مدينة داود) التي تعتبر احدى الجمعيات اليمينية القوية والثرية جدا التي اشتهرت بنشاطاتها المحمومة في البلدة القديمة وفي شرقي القدس. جمعية العاد هذه والطائفة البخارية ضالعتان في السياق في خطوات وأعمال تهدف الى تعزيز وتكريس الجيوب اليهودية في منطقة جبل الزيتون احدى مناطق النزاع الساخنة في القدس.

 

مسار التمويل ومصادره التي تكشف الان لاول مرة تطرح اسئلة صعبة. لماذا تحتاج شرطة اسرائيل لتمويل خارجي لمحطة شرطة تابعة لها؟ وهل يعقل ان يتم بناء مقر لواء الشرطة الذي تتم كل اعماله الشرطية في مناطق الضفة الغربية بتمويل من جهات ذات مصالح سياسية صارخة؟ وهل يعقل ان يتم تمويل بناء مقر لواء شرطية بمنطقة مختلف عليها سياسيا من قبل جهات ذات مصالح سياسية صارخة؟

 

'هذه فضيحة' يدعي ياريف اوفنهايمر سكرتير حركة السلام الان. 'منذ متى تقوم جمعية خصوصية بتمويل شرطة اسرائيل وبناء محطة شرطة واحدة لتحصل في المقابل على محطة اخرى؟ وكل هذا يحدث في المناطق الاكثر انفجارا في الشرق الاوسط من اجل تكريس وفرض الحقائق المؤثرة على مصير الدولة كلها والصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني.

 

 

تمويل من 'جهات خارجية'

 

 

E هي منطقة تمتد بين القدس الشرقية وبين المستوطنة الكبيرة معاليه ادوميم. هذه مساحة غير كبيرة الا ان نظرة خاطفة على الخارطة توضح اهميتها الحاسمة. ان استوطنت اسرائيل فيها كتوسيع لمساحة معاليه ادوميم فلن يكون هناك مجال لتواصل اقليمي جغرافي بين شمالي الضفة وجنوبها: الدولة الفلسطينية المستقبلية ستكون مقطعة الاوصال وحركة الفلسطينيين الحرة فوق اراضيها يمكن ان تتم هذا ان تسنى ذلك فقط عبر طريق التفافي من غور الاردن. هذا هو السبب الذي يدفع الفلسطينيين للقول بأن هذا مشروع لن يمر الا على اجسادهم. والامريكيون بدورهم حظروا على اسرائيل بصورة مشددة البناء في المنطقة. مقر شرطة يهودا والسامرة الجديد يعتبر الخرق الوحيد المسجل في هذا التوازن حتى الان.

 

في ميزانية وزارة الامن الداخلي للسنوات 2006 - 2007 يظهر في الصفحة 55 بند بناء مقر لواء يهودا والسامرة بقيمة 60 مليون شيكل. في بند الهوامش والملاحظات سجل: '9 ملايين شيكل من ميزانية الامن الداخلي والباقي من جهات خارجية' ولكن من هي هذه 'الجهات الخارجية' المجهولة؟

 

والمقر القديم كان في حي راس العامود في مبنى كانت الطائفة البخارية تمتلكه قبل عام 1948 وبقي ضمن المنطقة الاردنية بعد الحرب. تسلسل الاحداث ورد في رد وزارة الامن الداخلي الذي ارسل الى ملحق 'يديعوت احرونوت': 'مع سيطرة اسرائيل مجددا على المنطقة سجلت الدولة كمالكة لهذا العقار. اللجنة البخارية قدمت دعوى بصدد مصادرة العقار فقررت المحكمة الزام الدولة بتعويض اللجنة عن هذه الارض الا ان اتفاق التسوية هذا لم ينفذ.

 

'وبما أن اللجنة تستحق امتلاك العقار واستعادة ممتلكاتها وفقا للقانون فقد طلبت تجسيد هذا الحق ووقع اتفاق في عام 2005 بين اراضي ادارة اسرائيل وبين اللجنة وافقت الادارة في اطاره على طلب اللجنة استعادة العقار مقابل موافقتها على بناء بديل للدولة، اي ان اللجنة تقوم باعمال البناء لصالح شرطة اسرائيل كبديل عن المباني الواقعة في راس العامود في المقر القديم.

 

'البناء تم فوق الارض التي خصصت للشرطة من اجل هذا الغرض من قبل ادارة اراضي اسرائيل في المنطقة E-1اللجنة نفذت البناء بحجم المباني التي كانت قائمة فوق الارض المصادرة بينما نفذت الشرطة الجزء الاخر من البناء لان المقر الجديد للشرطة اكبر من المباني التي تم اخلاؤها في راس العامود'.

 

بين قادة الطائفة البخارية تبرز عدة وجوه معروفة. المليونير ليف لافيف مثلا. في ميزانية الدولة لعام 2008 ذكر اسم لافيف كمتبرع بمليون شيكل لمشروع اعمار المقبرة اليهودية القديمة في جبل الزيتون. لافيف ظهر في السابق في عدة مناسبات لجمعية العاد التي تمول من ميزانيتها موارد كثيرة في منطقة جبل الزيتون وفي مشاريع اخرى لتعزيز السيطرة اليهودية والهوية اليهودية في شرقي القدس.

 

كما يحسب على قادة الطائفة ابناء عائلة بن دافيد الذين كانوا يمتلكون في السابق الفندق الاكبر في غوش قطيف. كما ان لهذه العائلة صلة قوية بجمعية العاد. احد الاشقاء ايتان بن دافيد هو من مؤسسي هذه الجمعية. الاخ الاخر رامي بن دافيد اشترى من اجل الجمعية احد المنازل في سلوان في عام 1996 مع بداية الاستيطان اليهودي في قرية سلوان (المشروع الرئيسي والمركزي لجمعية العاد كما يظهر من خلال اسمها مدينة داود موقع الحفريات والسياحة الواسع في منطقة سلوان). في ظل كل ذلك يمكننا ان ندرك جذور ضلوع جمعية العاد ايضا في مشروع البناء في منطقة E-1.

 

 

قرض بقيمة 35 مليوناً

 

 

جمعية العاد هي منظمة قوية ثرية وناجحة واهدافها تغيرت عدة مرات لدى مسجل الجمعيات من اجل ادخال المزيد من الانشطة والفعاليات تحت جناحيها. تعريف اهدافها الحالية كان 'تعزيز الصلة اليهودية بالقدس باجيالها المتعاقبة من خلال الجولات والارشاد والاسكان واصدار الموارد الدعاوية والاعلامية وتقديم خدمات الارشاد والتربية التوراتية الصهيونية وتطوير قطاع السياحة في منطقة مدينة داود ودعم الانشطة التربوية والثقافية في منطقة مدينة دواد'.

 

الا ان بناء حي سكني و ـ او مقر شرطة في منطقة E-1لا يتساوق حتى مع هذا التعريف الموسع لاهداف الجمعية ( E-1ليست واقعة ضمن مساحة القدس ولا ضمن مدينة داود). ربما كان هذا سبب اضفاء تواضع وبأحرف صغيرة وبنود صغيرة على ذكر مسار التمويل. الامر انكشف بصورة غير مباشرة اثر عملية فحص بادر اليها المحاسب العام في المالية. عملية الفحص هذه التي نفذها مدقق حسابات رمت الى التحقق من وجود تبرير للدعم الذي تحصل عليه جمعية العاد من ميزانية الدولة.

 

المحاسب قام بالتحقق في سياق ذلك من نشاطات 'كيرن شليم يروشلايم' الجمعية المتفرعة عن العاد. عنوان الجمعية يتطابق مع عنوان جمعية العاد، وفي وثائقها يظهر اسم دافيد باري الرئيس والمؤسس لالعاد كرئيس للجنة تلك الجمعية. بين العاد والجمعية المتفرعة عنها 'كيرن شليم يروشلايم' والشركة المتفرعة 'كيرن شليم م.ض' هناك ارتباط مالي. في سجلات منظمة اصدقاء العاد في الولايات المتحدة لعام 2006 تظهر استمارة فيدرالية تعود لضريبة الدخل الامريكية جاء فيها ان المنظمة تبرعت بمبلغ 255 الف دولار لجمعية 'كيرن شليم يروشلايم'.

 

التحقيق الذي اجراه المحاسب العام في المالية اظهر بأن سجل حسابات العاد يشير الى انها قد مولت نفقات الشركة التي تبلغ في سنوات 2004 ـ 2006 اكثر من ثلاثة ملايين شيكل. رد العاد نفسها لمسجل الجمعيات حول الملاحظات التي وجهت اليها بصدد الادارة السليمة للجمعية يظهر بأنها قد مولت نشاطات 'كيرن شاليم' في بداية طريقها 'في بداية طريق شركة 'كيرن شاليم م.ض'' جاء في البيان، 'دفعت جمعية العاد المال لعدة موردين لشركة 'كيرن شاليم م.ض' بقيمة 250 الف شيكل الى ان تم تفعيلها بصورة منظمة. هذه مبالغ دفعت لمرة واحدة واعيدت لجمعية العاد قبل مدة طويلة. جمعية العاد لم تدفع اي مبالغ لشركة 'كيرن شاليم م.ض' عدا عن ذلك'. كما جاء في الرسالة بان جمعية 'كيرن شاليم يروشلايم' ستتوقف عن النشاط في عام 2009.

 

هناك سبب لالتزام المؤكد لجمعية العاد: من المحظور على الجمعية نقل اموال لشركات اخرى من دون تصريح خاص. ليس من المفترض بها ان تكون غطاء سياسيا ماليا. ولكن جمعية العاد نسيت او لم تكلف خاطرها بذكر مصدر التمويل الاهم لشركة 'كيرن شاليم م.ض'. بيان 'كيرن شاليم' المالي لعامي 2006 و 2007 يظهر بان الجمعية تمتلك مئة في المئة من اسهم شركة 'كيرن شاليم م.ض' الشركة المبادرة لمشروع بناء في شرقي القدس'.

 

وكيف يمول ذلك 'المشروع للبناء في شرقي القدس'؟ الرد يظهر في كتاب ميزانية الجمعية الام العاد في نفس السنوات. بند 'ودائع مرتهنة لفترة طويلة' يذكر مبلغ 3560400 شيكل. من اجل ماذا تم رهن هذه الودائع؟ 'الودائع رهنت لضمان قرض أخذته شركة كيرن شاليم م.ض. الشركة تقوم بتولي مشروع بناء في شرقي القدس يجسد اهداف الجمعية. الودائع بالعملة الاسرائيلية ليست مربوطة مع غلاء المعيشة وعليها فائدة 5 في المئة في السنة'.

 

بالعبرية البسيطة: تمويل 'مشروع بناء في شرقي القدس' دفع شركة 'يرن شاليم م.ض' لاخذ قرض بنكي مقابل كفالة جمعية العاد لها بمبلغ 35 مليون شيكل. نتائج عملية الرقابة التي قام بها المحاسب العام في المالية تفصل هذا المشروع في شرقي القدس وتكلفته.

 

'الشركة اشترت ارضا في شرقي القدس من اجل بناء 80 وحدة سكنية ستباع للجمهور العريض' يقول المحاسب. 'الشركة بنت مبنى بديلا لمحطة شرطة لواء يهودا والسامرة في منطقة E-1 (معاليه ادوميم) الموجودة اليوم فوق الارض التي تم شراؤها. على حد قول ممثلي الشركة بعد اخلاء محطة الشرطة والحصول على الترخيص ستبدأ الشركة ببناء الوحدات السكنية. الشركة صرفت حتى الان على شراء الارض والبناء 21 مليون شيكل مولت من قروض بنكية (كما اسلفنا في بداية الطريق بمساعدة جمعية العاد)'.

 

معنى ذلك: وفقا للنتائج التي توصل اليها المحاسب العام الشركة الفرعية 'كيرن شاليم م.ض' ساعدت في تمويل بناء مقر الشرطة في منطقة E-1 بملايين الشواقل وفي المقابل اشترت المنطقة القديمة في راس العامود التي اخلتها الشرطة في اطار انتقالها للمقر الجديد من اجل بناء وحدات سكنية.

 

الدخل من بيع هذه الشقق سيستخدم لسداد الودائع التي رهنتها العاد من اجل القرض. من الناحية السياسية يتعلق الامر هنا بتحقيق هدفين متوازيين ـ المساعدة في الاستيطان الحكومي في منطقة E-1 المتنازع عليها وفي نفس الوقت السيطرة على المقر الجديد في المنطقة المتنازع عليها في جبل الزيتون.

 

 

'الجمعية حساسة جدا'

 

 

صحيفة 'يديعوت احرونوت' طرحت على العاد سلسلة طويلة من الاسئلة المفصلة بصدد تسلسل الاحداث الذي تم سرده هنا. طلبنا ايضا التحادث مع قادة الجمعية بهذا الصدد. لم تتم الاستجابة لهذا الطلب والرد الذي جاء على النشر كان عموميا جدا. 'جمعية العاد تتحرك وفقا لاهدافها لتعزيز الصلة اليهودية بالقدس. العاد تجسد بنجاح هذا الهدف بوسائل مختلفة وتحظى بالدعم والتقدير الواسعين. نشاطات الشركة فحصت عدة مرات وتبين انها سليمة. المحاولات المتكررة للمس بالصلة اليهودية بالقدس ستمنى بالفشل. كل ما تفعله الشركة يتم وفقا للقانون'.

 

مع الرد وصلت ايضا رسالة توضيحية وتحذيرية من مكتب المحاماة الممثل لشركة العاد وجاء فيه ان الجمعية 'حساسة جدا لكل ما ينشر بصددها'.

 

عضو الكنيست آفي ديختر الذي كان وزيرا للامن الداخلي في الفترة التي تم فيها تدشين مقر الشرطة في منطقة E-1 قال بانه لم يكن يدري بتدخل شركة العاد بتمويل البناء.

 

وزارة الامن الداخلي افادت بان الوزارة لا ترى اي عنصر سياسي في الاتفاق الموقع وانما تعتبره مسارا تجاريا بحتا حصلت فيه لجنة الطائفة البخارية على حقها في الممتلكات التي تعود لها وفي المقابل بنت لشرطة اسرائيل منطقة مماثلة المساحة. من المهم التأكيد بأن اللجنة لم تتدخل في اختيار مكان المقر الجديد وان هذه المسألة تحددت من قبل شرطة اسرائيل وحدها وفقا لاحتياجاتها. ويجب القول بأن للمقر الجديد بالمقارنة مع المقر السابق امتيازات كثيرة مثل موقعه في منتصف المساحة بين يهودا والسامرة وقربه من محاور المرور المركزية الامر الذي يوفر سهولة الوصول لعناصر الشرطة في المنطقة.

 

الا ان هذا الحدث المنفرد بهذا السيناريو قد جرى تحديدا فوق أراض متنازع عليها وواقعة في قلب خلاف سياسي شديد ويبدو ان هذا هو سبب وجود خلل في الخطوة كلها 'الدولة تختار الخضوع لليمين المتطرف وتفقد سيطرتها على ما يحدث على الارض' يقول اوفنهايمر. 'من الصعب التصديق بانه بعد تنفيذ الصفقة سيمكن للشرطة ان تتصرف بموضوعية واصرار في حالة حدوث خروقات للقانون'.

 

اثر ما كشفته صحيفة 'يديعوت' ارسلت حركة السلام الان رسالة للمستشار القضائي للحكومة تطالبه فيها بأن يشرع في تحقيق في هذه القضية. 'هناك شكوك ثقيلة جدا بوجود خرق للامانة والثقة يتجسد بحصول شرطة اسرائيل على هدية من طرف ذي مصالح سياسية واقتصادية صارخة'. جاء في الرسالة.

 

ملاحظة اخيرة: بينما يجمد البناء الان كليا في منطقة E-1 وينتصب مقر لواء يهودا والسامرة التابع للشرطة وحده في المنطقة لا تهدر منظمات اليمين الوقت في الموقع الواقع في جبل الزيتون بمساعدة سخية من بلدية القدس برئاسة نير بركات. هذه البلدية صادقت مؤخرا على صرف مبلغ 250 الف شيكل لاقامة حمام للتطهر في المكان. في المقابل حصلت صحيفة 'يديعوت' ايضا على الوثيقة 'شرطة يهودا والسامرة ـ راس العامود رقم 240309' التي تجمل مداولات جرت في مجلس بلدية القدس حول طلب الحصول على بناء في المنطقة التي اخلتها الشرطة في جبل الزيتون.

 

يظهر من هذه الوثيقة انه قدم بالاضافة الى مشروع بناء 104 وحدات سكنية الكبير طلب رقم '630/08' لبناء 4 مبان تتضمن 36 وحدة سكنية فقط. هذا التفاف يهدف للامتناع عن حصول ترخيص بناء لمدينة جديدة، بما انه وفقا للخطة الحالية يسمح بقدر معين من البناء وكل ما يتوجب لتنفيذه هو الحصول على ترخيص بناء من اللجنة المحلية في البلدية. وبلدية بركات كما اسلفنا ودية جدا.

 

'لدينا هنا خطة بناء لتحويل الحل السياسي في القدس الى أمر مستحيل' توضح حجيت عوفرن المسؤولة عن مجال متابعة الاستيطان في السلام الان. 'المستوطنون في القدس تعلموا من اصدقائهم في المناطق وبمساعدة السلطات ها هم يسيطرون على المزيد فالمزيد من المناطق في قلب التجمعات السكانية الفلسطينية في شرقي القدس وفقا لطراز مدينة الخليل. 'وزارات الحكومة وبلدية القدس ترفع مسؤوليتها عن مناطق كثيرة في شرقي القدس وتمنح شركات خصوصية حرية ادارة مواقع حساسة وفرض الحقائق على الارض. نحن هنا امام وحدة عضوية خطيرة ومقلقة بين الجمعيات الخصوصية وبين المؤسسة الحكومية الرسمية'.

 

 

يديعوت 22/1/2010

 

 

خريف بلا أجنحة !

 

خيري منصور

 

22/01/2010

 

 

رواية 'السمان والخريف' لنجيب محفوظ تختلف عن 'الشحاذ' و'ميرامار' لأن الاولى رغم هواجسها العدمية والوجودية الملجومة تضع الحياة كلّها موضع شك في جدواها ولأن الثانية بمختلف الشرائح الاجتماعية التي تجسّدها الشخوص أشبه بمسرح عائم على الماء تماما كما هو الحال بالنسبة لرواية ' السفينة' لجبرا ابراهيم جبرا والتي لم يكن ممكنا لغير فلسطيني ان يختارها مسرحا للاحداث، وهو المقذوف بقوة تاريخ غاشم الى قارعة العالم او ما يسميه الراحل ادوارد سعيد اللامكان!!

 

جذر حكاية ' السمان والخريف' يعرفه الصيادون اكثر من سواهم، سواء كانوا صيادي طيور مهاجرة في لحظة التعب، او صيادي رجال اشتغلوا في السياسة حتى اصابهم الاعياء او سقطوا في الكمائن والأفخاخ المنصوبة لهم على الطريق.

 

في الآونة التي كتب فيها محفوظ رواية ' السمان والخريف' كان العالم غير ما هو عليه الآن، حرب باردة تشمل كوكبا برمته، واحتدام مشحون برومانسية ثورية بين احزاب وعروش ونظم، وباختصار كان الخريف يعج بالسحابات المهاجرة من طيور السمان، ومثقفون ثوريون مندفعون حتى الاقاصي وهم اسرى حلم وسجالات لا تنتهي حول ثنائيات من طراز الأصيل والمعاصر والاتباعي والحديث، والرجعي والتقدمي والعسكري والمدني، وبطل ' السمان والخريف' كان الدباغ هو ريبب حزب الطبقة الوسطى بامتياز قبل ان يأفل نجمها وتتلاشى وتتحول الى اسلاب وغنائم لما كان دونها او ما أصبح فوقها، لم يكن هذا الافندي المُخَضْرَم الذي بلغ نضجه الوظيفي والحزبي في الأربعينات معصوما من أمراض الرشوة والفساد والتطلع الى اعلى وامساك العصا من الوسط، بحيث يكون مع السّلطة وضدها في آن، لكن الضديّة تستدعي من الماضي الذي طويت صفحته، تماما كما يفعل المثقفون الذين تمردوا وسجنوا ثم تابوا وطالبوا الكون كله بتسديد فواتير تخصهم ! وقد يكون أحد اسباب تعلقي الشخصي بالرواية الحكاية التي ترتكز اليها، وهي اصطياد طائر السمان المهاجر من تعبه بعد ان قطع مسافات طويلة، فالتعب والاعياء هنا هما بمثابة كعب آخيل لهذا الطائر، وغالبا ما يتعرض مثقفون للاصطياد من خاصراتهم النازفة والمتعبة، في عالمنا العربي الذي يردد الناس فيه وصية لسعد زغلول هي 'غطيني يا صفيّة ... ما فيش فايدة!' وسواء غطّت صفية سعدا ام تركته يعاني قشعريرة الوحشة والبرد، فإن الظاهرة امتدت لعدة عقود سادت فيها ثقافة التخوين والتجريم المتبادلين، فالهجاء الذي تحوّل كوجه آخر ومضاد للمديح في ثقافتنا العربية منذ البواكير تحول الى نمط انتاج، وهو نمط مرادف للغزو الذي كان في الجاهلية نمط انتاج اقتصادي، لم ينج فيه الشقيق من الشقيق، كما يقول شاعر قرر الغزو فإن لم يجد ضحية غير أخيه بكر فلن يعتقه او يعفّ عنه، وقبل ان تغوينا هذه التداعيات بالاستطراد خارج السّياق، دعونا نتخيل لو ان خريف عيسى الدباغ تحول الى ربيع، ولم تقم ثورة يوليو لتحاسبه عمّا اقترف من أفعال خلال توليه منصب حساس في وزارة ذات علاقة بتعيين العُمَد وشيوخ القرى، وقد يستغرب قارىء الرواية اذا باعد بين السطور ليقرأ الظلال الصامتة، بأن عيسى الدباغ لم يكن النموذج الذي تعرّض لادانة من المؤلف قبل الادانة من محاكم الثورة، فابن عمه الذي كان من انصار الثورة تزوج الفتاة الارستقراطية التي تخلت عن عيسى بعد خلعه من وظيفته، هكذا يتم تبادل الادوار وما ان يسقط طائر سمان في الخريف حتى يتلقفه صياد بيده السكين، لكن الصياد نفسه سرعان ما يتحول الى سمّان آخر، ان المثقف الانتهازي في اعمال نجيب محفوظ خصوصا تلك التي تعرّضت للثورة وما قبلها وما بعدها، يتكرر باسماء مختلفة، فهو سرحان البحيري في ميرامار، الذي يظفر بولاء وثقة العمال في شركة النسيج كي يورطهم معه في عملية اختلاس وقد يكون الشيوعي التائب الذي عرض ماضيه للبيع على شكل اعترافات نادمة، وأهم ما يعنينا في مصير الدباغ هو لقاؤه مع بغي في الاسكندرية بعد ان فقد كل شيء الا ما تبقى من ذكورته، ولأن الانتهازية تتحول الى ادمان ونمط تفكير وحياة فإن الدباغ يتخلى عن البغي عندما تخبره انها خامل وتنتهي الحكاية بمصالحة ما بين البطل المهزوم والعصر الجديد، لأن المرحلة كانت تتطلب ذلك، وكل ما كان يبدأ راديكاليا ينتهي وسطيا ومرنا ولا يخلو من تلفيق دفاعي ...

 

* * * * * *

 

خريف العرب في العقدين الماضيين مكتمل الملامح والمظاهر، فالاوراق تساقطت كلها، والطيور هاجرت حتى تلك التي لا تزال تتدرب على الطيران، وسقطت عواصم، وتقهقرت جيوش، وانقلب خطاب قومي كالسلحفاة على ظهره، فلا هو حيّ ولا ميّت، وبدأت القطيعة تتسع بين المقروء في كتب التاريخ والمعاش اليومي، وانتشرت الشيزوفرينيا على نحو وبائي، ثم تضاعف انشطار العربي ليصبح أربعة، لكن ليس على الطريقة التي تحدث عنها الماركيز دوساد!

 

هؤلاء الأربعة الذين يقيمون داخل وباطن الفرد الواحد، قد يتحركون ويتصرفون بايقاعات الفصول لكن الخريف هو الغالب، فما يقال صباحا يتغير عند الظهيرة، ثم يتبدل في المساء، وينقلب رأسا على عقب في آخر الليل.. ولا أدري من هو الروائي الذي يستطيع رصد تحولات بطل مثل عيسى الدباغ في هذين العقدين، والأرجح ان فريقا من الروائيين العباقرة لن يستطيع ذلك لأن الانثروبولوجيا وعلم نفس المجتمعات البدائية هو الأجدر بفحص عيّنات من هذا الواقع العربي الذي تحوّل الى سيرك مجاني مفتوح على مدار اللحظة للفرجة وقد أضافت الفضائيات الى هذا السيرك ما يجعله مرئيا على الملأ كله ...

 

ان ربيعا بلا شجر او أزهار هو المرادف الفصلي في تقاويمنا القومية لخريف بلا سمّان، فالواقع بمجمل ما انتهى اليه منجم اسطوري للكتابة، ولاجتراح آفاق غير مسبوقة، لكن الخوف المزمن وثقافة الريبة والاحتراز أبقت ما في المنجم مهجورا، وهي مساحة المسكوت عنه بل المتواطأ عليه في حياتنا السرية ..

 

* * * * * * *

 

أليست مفارقة تاريخية بامتياز ان الدول العربية الحديثة ذات الغطاء الفولاذي الأشبه بخوذة ما إن تركن الى قوتها ومعصوميتها حتى تسقط بأسلوب يزاوج بين المأساة والملهاة، والضحك والبكاء؟ فالشعوب التي تعامل كزوجات أميّات لا يضيرها ان تتحول الى أرامل، ما دام الطلاق او الخلع السياسي لا يزال ممنوعا ومحرّما! وما قاله عنترة العبسي قبل زمن طويل عندما طُلب منه ان يكرّ دفاعا عن القبيلة بامكان اكثر من ربع مليار عربي ان يقولوه بصوت واحد ... وهو نحن عبيد ولا نحسن الكرّ بل نحسن الحلب والصرّ، لكن ما إن تأكد العبد انه على موعد مع حريته القادمة حتى كرّ وجال وصال وانتصر بينما فرّ وهزم أدعياء الفروسية البيضاء.

 

ان صائدي السمان، يذبحونه ويأكلونه حتى العظم، لكن صائدي المثقف من تعبه او من حاجته او كعب آخيله أينما وجد، فهم يستخدمونه مخلبا او قفازا، ويوظفون خبرته وذكاءه المحدود لنصب كمائن أخرى لطيور لم تتعب بعد، ولا يحتاج توصيف المشهد الخريفي المزمن في عالمنا العربي الى عيني زرقاء اليمامة، فالاعمى يستطيع رصده بأذنه على الأقل، بعد أن تحول الى ظاهرة صوتية حسب تعبير رائد لعبد الله القصيمي، وبعد أن أعيد العربي رغما عن أنفه ووعيه وميراثه الطويل ألف عام الى الوراء، لتصبح الدولة قبيلة والحزب فخذا منها والنقابة عصابة، ويكافأ الفهلوي على ما استطاع اخفاءه من جهله، ويعاقب العارف كي يخفي ما يستطيع من معرفته، فالمطلوب من القطيع ان يتماثل ويتجانس ومن يخرج عن السّياق وبالتالي عن النصّ الرسمي هو الشاة السوداء او البعير الأجرب . أما عناقيد البلاستيك والثمار الزجاجية الملونة التي تغطى بها اغصان هذا الخريف، الجرداء، فهي لا تخدع عصفورا كي يبني عشه فيها ولا تخدع الندى الذي يمر بها ساخرا وهو في الطريق الى شجرة برية لم يبلغها التدجين بعد!!!

 

* * * * * * *

 

ان جدلية الشكل والمحتوى هي ما يفرض علينا لغة قد تبدو احيانا أشبه بالقنفذ، فالاصابع المدرّبة على العزف لا تجازف بنبش أعشاش الأفاعي او مصافحة عقرب أفرغ سمّه للتو في قدم طفل او ساق غزال، لهذا فإن تلوين الصورة المرسومة بالاسود والاسود هو بمثابة تزوير واعادة انتاج، لتسهيل عملية التأقلم مع كل هذا الشقاء، وقد يأتي وقت يحنّ فيه المثقف العربي الى سلفه الروائي المهزوم لأنه محروم حتى من الهزيمة، فهو قشرة مقذوفة على الرصيف بعد أن امتصت الفريسة حتى النخاع، انه خريف طويل ومزمن لكن بلا أجنحة!!

 

* * * * * * *

 

خيري منصور: كاتب أردني عمل في مجلة الأقلام العراقية حتى 1990 ويشغل حاليا عدة مناصب ثقافية في الأردن والإمارات العربية. يكتب لعدة صحف إضافة لعمله في الدستور الأردنية من بينها القدس العربي المأخوذ عنها المقال أعلاه.

 

 

 

 

شذرات: حول الحاجة إلى الإبداع

 

برنار جراسي

 

22/01/2010

 

 

 

 

هناك من الكائنات، من لا يكفيهم الفهم الأحادي: إنهم بحاجة إلى الإبداع. المبدعون ليسوا بالضرورة على مستوى أعلى من الذكاء مقارنة مع الآخرين: إنهم من طينة أخرى فقط.

 

' ' '

 

إن الحاجة إلى الإبداع ليست إلا هذه الحاجة التي تتملك كل كائن في أن يترك بصمته. إنها حاجة البداهة الممارسة في أشياء الذكاء، الفن أو الحركة.

 

' ' '

 

إن هاوي الفنون هو الذي لا يجرب حاجته إلى ترك بصمة في أي ميدان من ميادين الفكر حيث يقوده فضوله (المعرفي).

 

' ' '

 

إن الحاجة إلى الإبداع لا تترتب عنها بالضرورة موهبة الإبداع. يمكننا بلا شك الإقرار بأن كل كائن يعتقد أنه يبدع، يبدع حقيقة. لكن هناك من الإبداعات من ليس له أهمية وقيمة إلا عند صاحبها ولا تمثل عند الآخرين إلا ألعابا لا جدوى منها لعقل محكوم بقوانين وتأثيرات مخصوصة.

 

إننا نحتفظ، أيضا، باسم المبدع خصيصا، لذاك الذي أغنى الإنسانية.

 

' ' '

 

إن الإبداعات الحقيقية للذكاء، تبدو عادة ذات بساطة، بل وذات بداهة حد أننا نعتقد أنها تنتمي منذ مدة طويلة إلى ميدان الفكر. ذلك أنه صعب بالنسبة إلينا تمييز بداهة استطاع أن ينفذ إليها إنسان وبينما كانت تبدو عليه بالنسبة إلينا دائما. والحال أنه في هذه القدرة على إظهار البداهات جديدةً تكمن أساسا موهبة الإبداع.

 

' ' '

 

كل شيء تم التفكير فيه. كل شيء تم الشعور به، هذا إذا لم يكن كل شيء قد قيل. إن المبدع، إذن، لن يدعي إظهار فكرة لم يفكرفيها أحد من قبل، أو شعورا لم يحس به أحد. إنها بالأحرى سمة الاكتشافات الكبرى للفكر إذ ينصب على أفكار أو أحاسيس، اعترت الناس منذ الأبد، لكنها ظلت إلى الآن منفلتة من تقصيهم لها.

 

' ' '

 

أن تبدع معناه أن تتصرف بكل حرية في ميدان اكتشفته وأنت الوحيد الذي يعرفه.

 

' ' '

 

إن كل إبداع حقيقي في ميدان الفكر أو الفن كما في مجال الحركة، يستتبع بالضرورة الإحساس بأنه إبداع، بمعنى أنه شيء نحن أول من قاله أو صنعه. فإذا لم ينجل كذلك للذين لم يروا إلا بدايات نموه، فهذا يعني أنهم لم يستوعبوا جوهره، ولا هم استشرفوا امتداده.

 

' ' '

 

ليس الإحساس بأننا أول من يقول (القول) أو يصنع (الكلام) كافياً كيما يكون هناك إبداع حقيقي. لكن ليس هناك إبداع حقيقي دون هذا الإحساس.

 

' ' '

 

ما نسميه عبقرية ليس شكلا أعلى للذكاء لكن العبقرية هي موهبة الإبداع في أعلى تجلياته.

 

الذكاء، لا يستطيع، بالفعل، إلا الاكتساب، أما العبقرية فهي عطاء.

 

' ' '

 

إننا لا نبدع إلا بقدراتنا الخاصة.

 

' ' '

 

إن المبدع الحقيقي ليس محتاجا البتة لمعرفة كل ما قيل أو صنع قبله كيما يكون متأكدا من أنه هو أول من يقوله أو يصنعه.

 

' ' '

 

يكفي أحيانا تناسي شيء قد قيل أو صنع حتى تقوله أو تصنعه بطريقة جديدة كل الجدة، وهذا هو ما يسمى إبداعا.

 

' ' '

 

إن جوهر إبداعات الحركة، هو أنها لا تنبثق من الخيال المحض، ولا من الواقع المحض، لكنها تنبثق من الواقع المتخيل الذي يشعر إنسان الحركة أنه بإمكانه موازاته مع الواقع الموجود.

 

ترجمة:عبداللطيف الزكري

 

 

المصدر:Bernard Graet. Remarques sur l.action suivies de quelques reflexions sur le besoin de cr'er et les diverses creations de lesprit;librairie gallimard; paris

لكي نفهم الكتابة ليس علينا إلغاء الكاتب!

 

حوار مع تزفيتان تودوروف

 

22/01/2010

 

 

ولد تزفيتان تودوروف سنة 1939، بمدينة صوفيا البلغارية. سنة 1963 حصل على تأشيرة للقيام بزيارة إلى فرنسا، لكنه استقر بها نهائيا، قريباً من رولان بارت وجيرار جنيت، فصار أحد رواد النقد النصي. بداية سنوات الثمانينات، التفت تودوروف شيئا فشيئا نحو القضايا التاريخية والأخلاقية حيث انصبت اهتماماته على محاور:

 

* التوتاليتارية: مواجهة المغالاة (1991). ذاكرة الخير، السعي إلى الشر (2000).

 

* العلاقة مع الآخر: الحياة المشتركة (1995).

 

* التداخل الثقافي: غزو أمريكا (1982). الخوف من الأجانب (2008).

 

* تاريخ النزعة الإنسانية والأنوار: نحن والآخرون (1989)، الحديقة اللا مكتملة (1998).

 

فاز، تودوروف سنة 2008 بجائزة Prince des Asturies، تقديرا لمجمل لبنات مشروعه الذي ترجمت أطروحاته إلى أكثر من خمس وعشرين لغة. أما، آخر ما كشف عنه قلم تودوروف، فقد جاء في غضون السنة الجارية (2009)، تحت عنوان: la signature Humaine . كتاب، جمع بين دفتيه، أهم الدراسات التي أنجزها بين سنوات 1983 و 2008، يتحدث تودوروف هنا بلسان رموز كبيرة في ساحة الفن والفكر بناء على الحدس التالي: إن الإنساني، لا يؤسس ما هو ذو دلالة إلا انطلاقا من تاريخه الخاص.

 

قامة طويلة، نظرة مرحة، يصنع جمله بإيقاع بطيء ومتناغم. ذاك هو: تزفيتان تودوروف. لكنه قبل كل شيء، حضور. رجل لطيف ومفعم بالحماسة، تدور حياته في منزل تتوزعه غرف منحنية السقف، حيث كان قد أجري هذا اللقاء معه. قضى شبابه، داخل بلده الأصلي بلغاريا في ظل هيمنة الديكتاتورية الشيوعية. ثم، جاءت هجرته إلى فرنسا، وتجليات أولى أبحاثه التي انصبت على الصيغ السردية في الأدب، إلى جانب رولان بارت في تلك الفترة تغيا تودوروف فقط، صياغة نظرية علمية للأدب، مقتفيا آثار الشكلانيين الروس واللسانيات البنيوية على طريقة ميخائيل باختين ورومان جاكبسون. كتاباته، بهذا الخصوص تحيل على: مدخل إلى الأدب العجائبي (1970)، شعرية النثر (1971)، نظريات الرمز (1977)، وقد ارتقت منذ صدورها إلى مرتبة الإنتاجات النظرية النموذجية والكلاسيكية، فيما يخص أسئلة الأدب.

 

'ثم تغيرت الأشياء'، يفسر تودوروف ببساطة سيرورته. بعد أن درس بدقة متناهية الأشكال السيميوطيقية، طيلة عشرين سنة يتحمس كثيرا إلى الجوهري. هكذا، فإن مؤرخ الغزو الإسباني، شارح مونتين، ومؤول الرسامين الفلامانيين، وكذا الكاتب الأخلاقي ثم مفكر التعدد الثقافي، سيترك النظرية البنيوية بغاية التحول إلى موضوعات سياسية وأخلاقية. يقول تودوروف: ( السجال حول الأفكار الذي كان محظورا في بلغاريا فترة شبابي، قد خرج من المنطقة الحمراء).

 

كتابه الجديد: الإمضاء البشري، دراسات 1983- 2008 (2009)، يتماثل معه، لأنه: انتقائي ذاتي وثاقب. ينتقل بالقارئ إلى قلب أنماط للوجود مع شخصيات استثنائية: جيرمان تيليون، ريمون آرون، إدوارد سعيد، رومان جاكبسون، ميخائيل باختين، لاروش فوكو، موزار، ستاندال وغوته. على ضوء هاته اللقاءات، يرسم تودوروف صورته الذاتية، بتأمل عميق لنصوص هؤلاء. توظيف مجازي، نحته، تذوقه للآخرين، 'إننا لا نفكر إلا بما ينعكس' يؤكد تودوروف. يمكننا، اعتبار هذا العمل، بمثابة رواق تؤثثه لوحات صور رجال ونساء، تميزوا بمعاشرتهم الملهمة، أو تأبين لشخصيات عظيمة، متاح لهواة مستنيرين. الإنساني إذن، يتموضع في مكان آخر. سيعرض، تودوروف أطروحة قوية، مفادها: أن المشتغل بالعلوم الإنسانية مثل الكاتب، يخوض في الوقائع بناء على تجربته الشخصية، وبخلاف زميله في العلوم الطبيعية، عليه إلغاء كل حاجز بين حياته وإنتاجه. لا يتعلق الأمر في كل الأحوال، الاستسلام لخدع الاستبطان والانطلاق بحثا عن 'أنا' حقيقية، بل فقط التعامل بثقابة فكر مع اللقاءات التي تخلقنا. يقول: ( إجمالا، نحن من صنع الآخرين. عطاؤهم، انطباعاتهم وتفاعلاتهم. فالأنا العميقة، لا وجود لها).

 

قطعا، هو سيميولوجي، وليس 'كليا بالفيلسوف'، فقد تميز تودوروف دائما بمواهبه التأويلية: وظف مجمل ذكائه في خدمة كتابات الآخرين. فكره متمرد، لأنه قائم على الارتياب، تطوراته النظرية من السيميوطيقا إلى فلسفة النزعة الإنسانية واستطراداته حول الشر ثم خطاباته المرتجلة عن الفن والحب، وكذا ولاءاته وصراعاته: كل ذلك أكسبه صوتا فريدا بين مَشَاهد الفكر الأوروبي. يمتزج عند تودوروف التواضع الحقيقي بطموح لا حد له. يريد تناول الماهية الإنسانية، اقتناعا منه بأن الحكمة الإنسانية تتوقف على هاته المعرفة، وقد بلغ من العمر سبعين سنة، بوسع تودوروف التوقف عن العمل والتفرغ للاعتناء بحديقته، لكنه فضل باستمرار الانخراط في مشاريع جديدة، محاضرات، أبحاث، مُؤلفات. يقول: ( يبدو لي بأنه يمكننا الذهاب أبعد في فهم الكائنات الإنسانية، ما دام أن كثيرا من الأمور ليست واضحة بعد). حتى أقصى الحدود، قرر فحص أوضاع وتصدعات وكذا تحققات الكائنات البشرية التي هي نحن.

 

فيما يلي نص اللقاء:

 

* أية دلالة لكتابكم الجديد: [La signature Humaine

 

*فكرت سابقا في هاته العبارة: الإمضاء البشري، وأنا أصادفها في كتاب لجيرمان تيليون. أثارتني، لأنها تختزل على نحو ما، مساري الذاتي، وجدت فيها نقطة انطلاقي 'الإمضاء' ثم إشارة انتهاء 'الكائن الإنساني' ! حينما شرعت في إنجاز أبحاثي سنوات 1960، مثلت دراسة العلامات عبر كل تنوعها إطارا عاما. توخيت سبر أوجهها من خلال نظرية للغة، الأدب والفنون. بعدها، حاولت تبين ما يتوارى خلف العلامات. أحسست، بانجذاب لفهم سلوكات البشر كما هي في ذاتها، وليس مجرد الاكتفاء بحالات تعبيرهم. في الآن ذاته، وجدت نفسي ضمن تيار الأنسية، أو التقليد الفلسفي القائم على نزعة إنسانية. بالتالي، تساءلت دوما عن طبيعة الاختيارات الإنسانية: السياسية، الأخلاقية والاجتماعية. لا أتوفر على تعريف مطلق للإنسان، لأنني تأملت بالأحرى المواقف التي يتبناها البشر في مواجهة تحدياتهم الوجودية.

 

* في هذا العمل، رسمتم سلسلة من الصور لجيرمان تيليون، وريمون آرون، وإدوارد سعيد، وميخائيل باختين، إلخ. هل يمكن لحياة الكُتَّاب أن تضيء أعمالهم؟

 

*أتذكر، حينما كنت طالبا، تلك الصيغة الدوغماطيقية: ينبغي علينا معرفة 'الرجل' و'عمله'. كما، أن أساتذتنا سلموا بعلاقة سببية بين المصير الفردي لكاتب ما ثم مضمون إنتاجه، لكن أفراد جيلي، رفضوا هذه العقيدة. سنوات 1960، اعتبرنا بأن حياة كاتب ما، كيفما هي تقدم قليلا من المساعدة لتوجيه القراءة. لقد كنا جميعا، مثل مارسيل بروست 'ضد سانت بوف'. أما، مع المنظور البنيوي، فقد اتجه الاهتمام إلى القوانين التي تحكم الحكايا والمعاني المجازية للقصيدة، بالتالي لا توجد من أهمية للإحالة على السيرة الذاتية. اليوم، لا أظن في كل لحظة تفسير الحياة للعمل، بل 'الحياة' بدورها عمل. كما، أن حياتنا ليست إلا سلسلة آثار، بعضها شفوي والآخر سلوكي، والتفاعل بينهما دال جدا.

 

*بأي طريقة؟

 

*نقف مع جيرمان تيليون على مثال حاسم. فقد قامت بأبحاث إثنولوجية سنوات 1930، ثم انتقلت إلى الميدان في الجزائر. بعد الهزيمة، انضمت إلى المقاومة، لكنها اعتُقلت وسُجنت ثم أُبعدت إلى معسكر للاحتجاز. حين رجوعها، طُلب منها تهييء تقرير عن جماعة 'الشاوية' التي كانت موضوع دراستها. غير أنها أدركت عدم إمكانية تكرار أطروحاتها لفترة ما قبل الحرب، ولم تتوصل إلى أية معلومة جديدة عن تلك الإتنية ! الشيء الوحيد الذي تغير هو السيدة تيليون ذاتها. حياتها، في رافنسبروك Ravensbr'ck علمتها تفسيرا تعدديا للتصرفات الإنسانية: تأثيرات الجوع، مكانة الشرف، معنى التضامن. إذن هويتها امتزجت باشتغالها العلمي. نفس الأمر، يمتد إلى العلوم الإنسانية الأخرى. ما يجعل منك مؤرخا كبيرا وسوسيولوجيا متميزا أو فضلا عن ذلك كاتبا عظيما، ليس الاكتفاء بتجميع الوقائع، بل موضعتها في إطار علاقة تضفي عليها دلالة ما. عمل، تنجزه الذات بمساعدة جهاز ذهني يشكل ثمرة وجودنا ذاته. كي ندرك العمل، لا ينبغي أن نضع بين قوسين هوية العالِم أو الكاتب. ذلك، ما سعيت إليه في 'لوحاتي'.

 

*بناء على حياتكم الخاصة، ما الذي قادكم إلى إعادة توجيه فكركم؟

 

*تبرز في المقام الأول تجربة 'الأبُوّة'، كأفضل تأطير للسياق الذي أتواجد فيه. حين ولادة ابني الأول سنة 1974، انتابتني أحاسيس جديدة، اتصفت بحدتها الانقلابية، كما انطوت أيضا على شعور بالمسؤولية. في إطار حياة شخص ما، ينعدم لديه كل إرساء اجتماعي، ويعيش خاصة بدون أطفال، يبقى احتمال تأمل العمل ـ مثلا الأطروحة التي نقاربها ـ كشيء قائم في ذاته . إذا أحسستم دوما بنداء طفلكم، سيصبح من الصعب الاحتفاظ بحد فاصل بين حياتكم وفكركم. لقد سعدت وأنا أتجاوز مرحلة الاحتجاز داخل عالم منفصل في أفق البحث عن علاقة ذات مغزى بين ما كنت أعيشه ثم ما اشتغلت عليه بغير توظيف للسيرة الذاتية. هذا، قادني إلى الاهتمام أكثر بالعالم الذي يحيطني وليس فقط المعرفة المجردة.

 

*بين صفحات مؤلفكم الأخير، تهتمون بمبدعين انطلاقا من شبح اختبارات مؤلمة: المرض، الحزن، معسكرات الاعتقال...، هل ينبغي على المرء أن يعاني كي يفكر؟

 

*إنه سؤال مرعب، ولا أمتلك جرأة الإجابة عنه. ربما، لأني لم أكابد إلا قليلا في حياتي...، مع ذلك ألاحظ وجود صلة مزعجة بين الانكسار والمعاناة، ثم القدرة على الذهاب بعيدا جدا في معرفة الإنسان، كما لو أن السعادة تسد الطريق أمام الفهم الأكثر توقدا... . قد تخطئ نظريتي، فأكون مطمئنا، أو على العكس صحيحة، بالتالي أنا مفكر تافه ! ربما، أهدف إلى تعويض غياب هذه التجربة المؤلمة على مستوى مسار وجودي الذاتي، وذلك بالافتتان بوجود الآخرين ! وبالضبط، الأفراد الذين تميزت حياتهم بالانكسار والجرح بل والتراجيديا. لا يستهويني الأبطال ولا 'الأشرار'، أفضل فهم كائنات قابلة للوقوع في الخطأ، تشبه حياتهم 'حديقة غير مكتملة' كما جاء على لسان مونتين لأنهم في ظني، يجسدون الوضع الإنساني، أكثر من غيرهم.

 

*لقد كتبتم الآتي: ( كل مفكر هو بمثابة مغترب عن معطيات ولادته). أنتم بدوركم، عشتم المنفى بعد مغادرتكم بلغاريا نحو فرنسا. كيف لواقعة كهاته أن تمكن من تأمل العالم؟

 

*أعتبر نفسي 'شخصا مغتربا'، ليس فقط لأنني غيرت البلد، لكن في إطار سعيي بالتأكيد، إلى رؤية اغترابية للعالم. بهذا المعنى، يختلف المفكر عن المناضل. لا يتحدد دوره في الاهتداء لسيرورة تنتهي عند غاية، لكن أن يفهم العالم بطريقة أفضل، حينما ينتشله من البداهات. يرفض المنفيُّ اقتسام العادات، يقف مستغربا أمام ما يمارسه بسهولة مواطنوه الجدد، فيؤسس مسافة بين ما هو في ذاته ثم ما يحيط بنا باعتباره ملائما للفكر. لكن، ليس ضروريا ! كثيرة هي الشخصيات التي عانت من هذا الانفصال، دون أن تختبر واقعيا تجربة الاغتراب الفيزيقي. نقول فقط، بأنه حينما ننتقل من بلد إلى آخر بغير مأساة، يسهل التخلص من التمزق كأساس للعمل الذهني والذي يتحقق بشكل سيىء حينما يحدث تداخل مع الفاعلين الذين ندرسهم.

 

*طبيعة الصلة التي تحافظون عليها مع الالتزام السياسي؟

 

*لقد ترعرعت في بلغاريا سنوات ما بعد الحرب، حيث ترفض التوتاليتارية السائدة آنذاك داخل الحرب الشيوعي مبدأ الالتزام، ولا تبقى إلا على طريقتين أساسيتين: إما أن ترتقي داخل الحزب الشيوعي، أو تنسحب كليا من الحياة العمومية. مثل كثير من المواطنين البلغاريين، اخترت المسلك الثاني، فأقمت قطيعة جذرية بيني ومن يدبرون شؤون البلد. هكذا، تمتعت بنوع من التلقيح أعطاني مناعة ضد كل مصلحة سياسية. لكنني تغيرت ابتداء من سنة 1973، وهي فترة حصولي على الجنسية الفرنسية، فبدأت أشعر تدريجيا توجّه اهتمامي صوب موضوعات مشبعة بمضامين أخلاقية وسياسية: الالتقاء مع الآخرين، مصادر العنف، تجربة المعتقلات، تجاوزات الذاكرة، في هذا السياق يتموضع كتابي الصغير عن حرب العراق ! لا يعني الأمر بأني صرت مناضلا. لا أتوفر على بطاقة أي حزب ونادرا ما أوقع على عرائض. لكن، حدث أن اتخذت موقفا. مثلا، تدخلت لحظة الإعلان عن مشروع وزارة الهوية الوطنية، بدت لي الفكرة في الآن ذاته غير منطقية على المستوى الأنثروبولوجي ثم غير ناضجة سياسيا.

 

*سياسيا، يتم تعريفكم كرجل معتدل، قد نعتدل بإفراط؟

 

*أهم نموذج يقدمه التاريخ الحديث، بخصوص 'الاعتدال' الزائد، يحيلنا على مؤتمر ميونيخ سنة 1938، حينما توخت القوى الغربية مداهنة العدوان النازي ومن ثمة الاستسلام. لكن، هل الأمر يتعلق بموقف معتدل؟ لقد كانت بالأحرى رؤية غير متبصرة بالعواقب. عدم اللجوء إلى العنف، يصبح جائزا حينما ينعدم الخطر. لكن سنة 1938، تجلى التهديد الهتلري بشكل واضح لكل من أراد فتح عينيه. لقد اكتشفت نفسي، داخل بنية للاعتدال. تعلمنا مع مونتسكيو، انتفاء الشرعية عن كل سلطة تفتقد للضوابط. لا يعني الاعتدال الليونة، لكن تقييدا لسلطة من قبل سلطة ثانية مضادة. إنه تنظيم للفضاء العمومي، حيث يؤخذ في الحسبان التعدد الإنساني. لا نستسلم للعنف، بل يجب أن يقع العكس. من خلال الفكر ذاته، أدافع عما اصطلح عليه بالتحضُّر أي قدرتنا على استيعاب اختلافات الآخرين، دون أن نذمها بالضرورة. هل أنا معتدل جدا؟ يبقى الحكم لكم.

 

*في كتابكم، عدتم مرات عديدة إلى مسألة الشر. وبحسبكم، فإن الشر متجذر في الطبيعة البشرية. إذا كنا جميعا أشرارا، كيف نقاومه؟

 

*لا أعتقد، بوجود 'شر' كوني وراسخ. صحيح، أننا نعثر على مختلف تمظهراته في كل حقبة تاريخية. أساسه، أن كل واحد في حاجة للآخرين، لكنهم يرفضون منحه تلقائيا ما يريده. نمط للتمركز الذاتي، يصير خاصة خطيرا حينما يأخذ بعدا جماعيا. فأقبح الجرائم، ارتُكبت بدواعي حماية ' ذواتنا' في مواجهة تهديد ينبعث من مكان آخر. هذه المانوية، التي تخلط بين ' النحن والآخرين'، ' الصديق والعدو' أو الأسوأ ' الخير والشر'تعتبر مميتة للجسد. بكل ما أستطيعه من قوتي ـ رغم ضعفها ـ أسعى إلى مقاومة الشر. لذا، أتملى تمظهراته وكيفيات التصدي لها، وقد حكيت عن ذلك بين طيات أعمالي. وفق هذه الدلالة، بقيت قريبا من أفكار الأنوار: أقاوم الشر بواسطة المعرفة.

 

*ما هي النزعة الإنسانية؟

 

*تشير النزعة الإنسانية إلى حركة فلسفية تطورت في أوروبا منذ عصر النهضة. اليوم، يُوظف المفهوم في غير ما وضع له: إنه، لا يحدد غالبا غير صيغة لعشق الإنسانية، لكن بطريقة ساذجة شيئا ما. يرفض تزفيتان تودوروف هذه الكاريكاتورية، مدافعا عن نزعة إنسانية تتخلص من كل رؤية مثالية، حيث تبنى موقفا قويا جدا، تأسس تاريخيا بناء على ثلاث اختيارات أنثروبولوجية وأخلاقية كبرى:

 

ـ الكونية: كل الكائنات الإنسانية، تنتمي إلى ذات النوع، بحيث تنعم بنفس الكرامة.

 

ـ الحرية الإنسانية: إن الحتمية ـ بيولوجيا، تاريخيا، اجتماعيا، نفسيا ـ ليست قط كلية. لا يعتبر الإنسان، محض ألعوبة في يد قوى تتجاوزه وتحدد مصيره، ما دام يملك دائما وسيلة أن ' يمتثل أو يقاوم' (جان جاك روسو).

 

ـ الكائن الإنساني، قيمة عليا: تشكل سعادة الكائنات البشرية أقصى أهداف الحياة المجتمعية، بناء عليه، يتميز فكر النزعة الإنسانية عن المشاريع الطوباوية التي تبتغي مستقبلا مُشرقا. تتعارض، أيضا مع النظريات الدينية الملزمة لكل سلوك إنساني بضرورة سعيه إلى خدمة تتصل بالله.

 

ترجمة: سعيد بوخليط

 

( للإطلاع على الحوار في نصه الأصلي، يمكن القارئ الرجوع الى:

 

Heloise Lherete/Catherine Halpern: IN Sciences Humaines Decembre 2009,no 210,:26 -29. )

boukhlet10@gmail.com

 

 

 

 

 

كلينتون: ندين الدكتاتوريات التي تلاحق مثقفيها وحرية الإنترنت أحد أولوياتنا

 

 

انتقدت وزيرة الخارجية الاميركيه هيلاري كلينتون بعض الدول التي أقامت جدرانا على الانترنت لحرمان مواطنيها من الانترنت، واصفة إياهم بأولئك الذين "يخالفون حق البشر في التواصل مع بعضهم البعض وقالت "أن الانترنت يعني الاتصال وليس الانقسام"..وأكدت كلينتون في كلمة ألقتها أمام المؤتمر الذي يعقد في العاصمة الأميركية واشنطن للدفاع عن حرية البشر في التعبير عبر الإنترنت أن الولايات المتحدة لن تقف متفرجة والشعوب محرومة من حرية التعبير على الانترنت ومن حرية الوصول للمعلومة واستعمال الانترنت.وقالت أن "التحدي الأساسي في القرن الواحد والعشرين يتمحور حول كيفية تمكين الشعوب من استعمال الانترنت بالرغم من الرقابة التي تفرضها الحكومات التسلطية والدكتاتورية، مبينه أن الولايات المتحدة ستجد الطرق المناسبة لجعل حرية الإنسان وحقوق الإنسان على الانترنت حقيقة قائمه"..وانتقدت كلينتون حكومات العالم الثالث التي تحجب المواقع عن شعوبها، وقالت إن الولايات المتحدة بصدد تطوير آليات لتزويد الشعوب المحرومة من الانترنت للالتفاف حول رقابة الحكومات التي تحجب المواقع عنهم.وبينت كلينتون أن الولايات المتحدة تعتبر حرية التعبير على الانترنت من أحد أولوياتها، وإنها تمد يدها لشركاء داخل الولايات المتحدة وخارجها للتأكيد على حرية التعبير واستخدام الانترنت.وأضافت إن قدرتنا على استمرار أعمالنا على الانترنت ستكون بخطر إذا لم نتمكن من إيجاد صيغه لأمن الانترنت.. وبهذا الصدد تنتظر أميركا من الصين أن تقوم بإجراء تحقيق كامل وشفاف عما حدث مع شركة جوجل.وشددت كلينتون أن الولايات المتحدة تدين الدكتاتوريات التي تقوم بملاحقة مثقفيها الذين يستخدمون الانترنت كما هو الحال في إيران، مؤكدة أن الانترنت يستطيع تجسير الفجوة بين مختلف الثقافات. وهنا قالت"علينا التأكيد على حرية العبادة على الانترنت".وأفادت كلينتون أن الولايات المتحدة ستقوم بحماية فضائها الالكتروني من الدول التي ترعى الإرهاب وستكرس أميركا وسائل سياسية ودبلوماسيه لدفع هذه الحريات، وستطور آليات جديدة لتمكين الأفراد من الالتفاف على القرارات الحكومية التي تمنعهم من حرية الوصول إلى الانترنت، وستقوم الولايات المتحدة بتوفير الأموال والبرامج لهذه الغاية.وأضافت إن الرئيس اوباما سيعين مستشارا لأمن الفضاء الإلكتروني، وإن الدول التي تخالف هذه التوجهات ستخاطر بإبقائها خارج التطور في القرن الواحد والعشرين.

 

     1/21/2010 

 

 

 
Search for
Site Search
 

اليهودي الرجيم

 

صبحي حديدي

 

7/11/2010

 

الصحافي والكاتب الإسرائيلي إيغال لوسين اصطحب زوجته وابنته إلى مقبرة مونمارتر، في باريس، حيث يرقد عدد كبير من مشاهير فرنسا، والإنسانية جمعاء، أمثال تيوفيل غوتييه، ألكسندر دوما الابن، ألفريد دو فيني، ستاندال، إميل زولا، وكلود سيمون؛ إلى جانب إدغار دوغا، هكتور برليوز، جاك أوفينباخ، فاسلاف نيجنسكي، ساشا غيتري، فرانسوا تروفو، وداليدا... لكنّ باقة الزهور التي حملها كانت برسم الشاعر الألماني كريستيان يوهان هنريش هاينه (1797 ـ 1856)، لأسباب شتى كما يرجّح المرء، في طليعتها أنّ لوسين وضع كتاباً في سيرة هاينه، تناول موقعه الرجيم في الضمير اليهودي المعاصر. وبهذا كان قد تجاسر ـ وإنْ جزئياً في الواقع، وليس جذرياً البتة ـ على كسر تقليد إسرائيلي رسمي، أو يكاد، يحرّم الاحتفاء بمنجز هاينه، إلى درجة رفض إطلاق اسمه على شارع رئيسي في تل أبيب، والإصرار على 'نفي' الشارع (والتعبير للأسبوعية الإسرائيلية Ha'ir) إلى منطقة صناعية فقيرة، في الضواحي. وهاينه أحد أبرز المتضررين، إذا جاز القول، من فلسفة يهودية، قديمة ومتجددة، تنهض على ركيزتَيْن: تضخيم عقدة الضحيّة إلى درجة احتكارها والاستئثار بها ورفض مقارنتها بأيّ وكلّ المآسي التي عرفتها البشرية على امتداد تاريخها، القديم والوسيط والحديث والمعاصر؛ والاضطرار، ضمن خدمة هذه الفلسفة، إلى تأثيم حفنة من كبار اليهود، بذريعة أنهم كانوا من 'المرتدّين' على الديانة. وكان هاينه، الذي وُلد في دسلدورف لأسرة يهودية وحمل اسم هاري بن سيمون هاينه، قد اعتنق الديانة المسيحية وهو في الثامنة والعشرين من عمره، لكي يحصل على وظيفة إدارية، و'ينتسب إلى هذه الحضارة الغربية' كما قال. هذه، باختصار أقصى، جريمته النكراء!'الجرائم' الأخرى، المكمّلة، أنه تتلمذ على يد هيغل، وصادق كارل ماركس (الذي استقى من هاينه العبارة الشهيرة التي تصف الديانة المسيحية بـ 'الأفيون الروحي')، وعاشر كبار الأدباء الفرنسيين حين نفى نفسه إلى فرنسا، وبقي فيها حتى وفاته. كما أنه، في عرف تيّار عريض من المثقفين اليهود، اليهودي المرتدّ الأكثر شهرة وإثارة للسجال والجدل، لأنه أطلق العبارة الشهيرة: 'اليهودية ليست ديانة. إنها كارثة'. أكثر من ذلك، يتابع خصومه من اليهود، كتب هاينه مسرحية بعنوان 'المنصور'، يروي فيها تفاصيل اضطهاد المسلمين في إسبانيا أيّام محاكم التفتيش، ويسكت عن اضطهاد اليهود في المكان ذاته والفترة ذاتها.وثمة جانب ثالث، أخال شخصياً أنه يكمل السيرورة ويستكمل دورة التأثيم، وهو التمجيد المعاكس وتبييض الصفحة، على غرار ما فعل زائر مقبرة مونمارتر نفسه. ففي كتابه 'هاينه: حياة مزدوجة'، حاول لوسين إعادة استكشاف سيرة هاينه، على نحو يتيح بلوغ نتيجة معاكسة تماماً للرأي الشائع في أوساط المثقفين اليهود: هذا الرجل كان يهودياً أصيلاً (استناداً إلى عبارة شهيرة أخرى أطلقها هاينه: 'لن أعود إلى الديانة اليهودية، لأنني لم أتركها في الأساس')؛ وكان من كبار المنذرين بالفكر الصهيوني، بل كان لا يقلّ صهيونية عن هرتزل نفسه!ثمة محاججة لا تخلو من صواب، وثمة براهين معتمدة على هذه العبارة أو تلك الواقعة، هذا الموقف أو ذاك النصّ. وثمة اتكاء واسع على مسألتين: أنّ هاينه اعتنق المسيحية مكرَهاً لا راغباً، وأنّ السلطات النازية فهمت هذه الحقيقة فوضعت أعماله في عداد 25 ألف كتاب أُحرقت في برلين سنة 1933. ويرى لوسين أنّ هاينه ـ وقد دافع عن اليهود في قضية 'فطير صهيون'، واقعة دمشق الشهيرة ـ لا يمكن إلا أن يكون يهودياً، وصهيونياً أيضاً. ولهذا أخذه العجب حين لاحظ أنّ باقات الزهور المتكدسة على قبر هاينه كانت تتفوق على نصيب معظم عظماء فرنسا من الزهور. أغلب الظنّ أنّه تناسى هذه الحقيقة البسيطة: كان هاينه، ويظلّ، شاعراً للإنسانية جمعاء، وليس لدين أو قومية أو أمّة وحدها. وللمرء أن يتساءل: مَن هم أولئك الذين يسعى لوسين إلى إقناعهم بيهودية هاينه؟ أهم اليهود أنفسهم، أم سواهم من أبناء الديانات الأخرى؟ وما الهدف، في نهاية المطاف؟ وما الذي سيتغيّر في شعر هاينه، وهو غير بعيد عن أن يكون أعظم شعراء ألمانيا الرومانتيكيين، إذا ثبت أنه اعتنق المسيحية طواعية أم إكراهاً؟ أو إذا تبيّن أنه كان هاري بن سيمون أكثر من كونه كريستيان يوهان هنريش؟ وهل سيختلف استقبال البشر لقصائده الغنائية البديعة، خصوصاً تلك التي تحوّلت إلى مقطوعات موسيقية خالدة على يد موسيقيين كبار من أمثال شومان وشوبيرت ومندلسون، إذا اتضحت حقيقة ديانته؟مثل هذه الأسئلة لا تبدو هاجساً مركزياً، ولا فرعياً في الواقع، حين يتفحص المرء عشرات الحجج التي يسردها الكتاب في مسعى البرهنة على أنّ هاينه عاش حياة مزدوجة، مسيحية ـ يهودية في آن. الثابت، مع ذلك، أنّ الشاعر الالماني الكبير سخر من الحياتَين معاً، على قدم المساواة ربما، وهذا بعض السبب الجوهري في أنّ مكانته تجاوزت العقائد والأمم والجغرافيات. ثمّ ما الفائدة، حقاً، إذا كانت حصيلة التفكير اليهودي ذاك لا تخرج عن دائرة ضيّقة أولى، إلا لكي تدخل في دائرة ثانية أضيق، لا ثالث لها، هي عقدة الضحية؟

 

القدس أولا

 

روت غبيزون

 

7/12/2010

 

رغم أحداث دراماتيكية كالاسطول الى غزة والعملية لوقفها والتي تعقدت، او مسيرة شليط والجدالات التي بدأت لتوها على استمرار تجميد البناء، من الحيوي أن نستخلص سياسة بل وردود فعل على أحداث محلية من صورة جغرافية سياسية أوسع لمصلحتنا الوطنية. وأهم من ذلك: مرغوب أن تعرض اسرائيل بوضوح موقفها من الواقع الاقليمي بل وأن تعمل على تقدمه، والا تنجر لموقف الرد على مبادرات الاخرين (او حتى تجاهلها). يكاد لا يكون هناك موضوع الامر فيه حيوي مثلما في التفكير، المبادرة والعمل بالنسبة لمستقبل القدس. خلفية النقاش هي حقيقة أنه في اسرائيل وفي الاسرة الدولية يوجد اجماع واسع، وان لم يكن كاملا، بان هذه الصيغة يجب أن تستند الى تحقيق حق تقرير المصير للشعبين اللذين يعيشان في المنطقة. يوجد ايضا اجماع واسع ايضا في أن هذا التحقيق يجب على الاقل في هذه المرحلة أن يكون قائما على أساس صيغة الدولتين القوميتين المنفصلتين، اللتين مرغوب فيه ان تعيشا بسلام وفي ظل التعاون، الواحدة الى جانب الاخرى. هكذا بالتأكيد في دوائر اليسار، وهكذا ايضا استنادا الى خطاب بنيامين نتنياهو في بار ايلان. في الاستطلاعات ايضا يجد تعبيره تأييدا مستقرا لاغلبية كبيرة في الجمهور اليهودي، من اليسار ومن اليمين، لفصل من هذا النوع.في محاولة للوصول الى صيغة الدولتين، كان هناك نهج اعتقد بمسار الاتفاق، الذي يتضمن تأجيل المواضيع الصعبة القدس، اللاجئين، المستوطنات، الحدود الدائمة الى مرحلة متأخرة بعد أن تبنى علاقات ثقة عمليا. هذا النهج انهار. والان الجدال هو بين نهج البحث عن اتفاق دائم، يكون تنفيذه تدريجيا، وبين خلق واقع فصل بخطوات احادية الجانب. عندما يجلس في الحكومة كثيرون ممن لا يؤمنون بصيغة الدولتين، فاننا نشهد تلعثما وجرا للارجل حتى في الاختيار بين المسارين، او في التفعيل المتداخل لكليهما. وهذه تؤدي بنا الى دينامية تتعارض والفصل والتخوف بان تتغلب الاقليات، في الجانبين، التي تسعى الى واقع من الحكم السياسي الواحد. هذه الدينامية مرفوضة على الاقل في نظر اولئك الواثقين بان صيغة الدولة الواحدة بين البحر والنهر ستخلق هنا على المدى البعيد دولة غير ديمقراطية، لن يكون فيها تقرير مصير أو أمن مادي لهوية اليهود. كما أنها تساعد على عرض اسرائيل في العالم كرافضة للتسوية ترغب في تخليد الاحتلال.

 

لا تتجاهلوا الواقع على الارض

 

في القدس، هذا الغموض يبقي رسالة اسرائيلية غير واقعية في أنها ستبقى عاصمة اسرائيل الموحدة الى الابد، بينما الواقع هو ان فيها فصلا واضحا جدا بين المدينة العربية والمدينة اليهودية. هذه الرسالة تسمح باصرار بسيط وواضح للطرف الفلسطيني على المبدأ الذي يقول ان حدود 1967 هي المنطلق في كل مكان، بما في ذلك في العاصمة. وهكذا فان مسائل مشحونة مثل الشيخ جراح او سلوان تضعف شرعية سيادة اسرائيلية مستقبلية على غيلو او على جفعات زئيف. وهكذا ستغير ايضا الصراع الديمغرافي المستمر للحفاظ على الطابع اليهودي لعاصمة اسرائيل. وهكذا يوجد خطاب وحدة في واقع منفصل ومعقد. رسالة لا تقوم على أساس الواقع تخلق سياسة لا يمكن حقا الدفاع عنها. الشعار يبقى وتحت الضغط ينهار إذ الا توجد خلفه مصلحة حقيقية تعتبر حيوية. وعليه، ففي موضوع القدس ايضا، وربما هناك بالاساس، من الحيوي أن يكون لاسرائيل منطلق واقعي وواضح، يخدم مصلحتها الاستراتيجية بعيدة المدى. المنطلق هو ان القدس هي مدينة هامة من كل النواحي للشعبين وللدولتين. وعليه، فان الحل الذي يعطي احتكارا في السيطرة عليها لدولة واحدة ليس معقولا وليس مقبولا. فضلا عن هذا، فان القدس هي المكان الذي يخرج فيه الاهتمام كثيرا عن النزاع الاسرائيلي الفلسطيني، وعليه فان له اهمية اقليمية ودولية هائلة وهي تفرض تحديا هائلا، ولكن يوجد في التسوية بشأنها أيضا طاقة كامنة لتغيير كبير في العلاقات مع مراكز قوى دينية واقليمية واسعة. وعليه فان الحل المناسب في القدس يجب أن يكون ابداعيا، وان يتضمن ليس فقط اسس السيادة الاسرائيلية او الفلسطينية. بالنسبة للحوض المقدس ومحيطه يجب أن تكون ايضا أسسا دولية وتوزيع صلاحيات بين مندوبي الاديان الثلاثة الكبرى، في ظل مفاوضات متعددة المراكز.بالنسبة لاجزاء المدينة الاخرى، الحل للقدس هو اعادة تقسيمها، على أساس اعتبارات سياسية، اجتماعية وديمغرافية، وفي ظل الحرص على احترام حقوق كل الجماعات في الوصول الى اماكنها المقدسة.

 

حدود لا تمس بالمقدسيين

 

حتى ثبات العلاقات بين الدولتين، ينبغي للتقسيم أن يكون من خلال حدود حقيقية. وبقدر ما هو ممكن، فان وجود مثل هذه الحدود لا ينبغي له أن يؤدي الى مس بنسيج حياة سكان القدس والمحيط من ناحية حق الوصول الى المدينة ومراكزها، او التخطيط المشترك للمدينة او حتى ادارتها المشتركة. على الهدف أن يكون اقتلاع الحد الادنى من الناس من منازلهم والحفاظ على النظام العام وعلى الاستقرار وكذا على حرية وصول وحركة معقولة بين شطري المدينة.مبدأ التقسيم يجب أن يكون برغماتيا، مثلما اقترح من قبل الرئيس كلينتون في صيغته: الاحياء العربية من القدس يجب أن تكون جزءا من السلطة الفلسطينية. الاحياء اليهودية يجب أن تكون جزءا من دولة اسرائيل.

 

الصيغة: ليس على أساس خطوط 67

 

ولكن هذه الصيغة لا تقوم على أساس القول ان أجزاء يسكنها اليوم عمليا اليهود هي 'يهودية' وتلك التي يسكنها عرب هي 'عربية'. او ان حدود 67 تعكس التقسيم الهام الى مناطق 'يهودية' و 'عربية'. او أن الصلات التاريخية والدينية في القدس متساوية الوزن. الصلات التاريخية والدينية لا تعرف حدودا تعسفية او شبه مصادفة كهذه. مثل هذه الصلات غير قابلة للتقسيم، واليوم لم يعد ممكنا الفصل بين التقاليد الاصيلة وبين الاستغلال السياسي. ولكننا نعنى هنا بترسيم حدود سياسية تسمح لليهود وللفلسطينيين باستقلال سياسي على اساس قوي وثقافي. مثل هذه الحدود يجب أن ترسم على اساس الواقع الديمغرافي اليوم. حيوية هذا الحل تجد تعبيرها ايضا في أن الواقع العملي يعكسه اكثر بكثير من رؤيا المدينة الواحدة والموحدة. هكذا بالنسبة لجهاز التعليم في المدينة الشرقية، الذي تديره السلطة، وهكذا بالنسبة للانتخابات للسلطة، والتي يشارك فيها سكان القدس الفلسطينيون. الحل يتناسب ومصلحة اسرائيل في الحفاظ على اغلبية يهودية في المدينة وفي الدولة، وكذا حساب السلطة الفلسطينية الذي يضم سكان القدس الشرقية في احصائها السكاني. فقط مثل هذا الحل سيؤدي ايضا الى انهاء المحاولات التي لا تنقطع من اليهود ومن الفلسطينيين في القدس للحفاظ على أو تغيير نسيج الحياة المجتمعي الحالي في المدينة من خلال 'خلق حقائق على الارض' خلافا للقانون او انطلاقا من استغلاله.

 

المبادرة كرافعة

 

هذا المبدأ سيصطدم بالطبع بالمعارضة. وحتى بعد أن يطبق، ستبقى احياء 'متنازع عليها' اصبحت منذ الان مختلطة، أو انها قريبة من الاماكن المقدسة أو تقع على محور الربط بين شطري المدينة، مثل البلدة القديمة، سلوان والشيخ جراح. كما ستبقى مناطق المدينة الشرقية التي يوجد فيها تركيز للعمل الاسرائيلي، كوزارة العدل والمحكمة المركزية في القدس. بالنسبة لكل هذه المسائل ينبغي التفكير بحلول ابداعية. ولكن محظور السماح لحالات الخلاف بان تؤثر ايضا على المناطق الواضحة، التي هي يهودية أو فلسطينية على التوالي.لمبادرة اسرائيلية من هذا النوع عدة فضائل: فهي تخلق رافعة ذات اهمية اقليمية ودولية هائلة، وتشير الى جدية وتصميم اسرائيل في أحد المواضيع الحرجة للنزاع. وهي تدفع الى الامام بالمصلحة الاستراتيجية الاسرائيلية في حل الفصل الذي يوجد فيه تقرير مصير للشعبين. وهي تسمح ايضا بعمل ثابت ومصمم وتدريجي على تقدمها حتى دون انتظار الاتفاقات الدائمة. حكم واحد لكل احياء القدس، دون صلة بطبيعتها الخاصة وتركيبتها الديمغرافية الحالية سواء كانت على أساس خطوط 67 أم على أساس 'وحدة' المدينة الى أبد الآبدين هو وصفة مؤكدة لاحباط الفصل بين الدولتين. تقدم مصمم وتدريجي للفصل في المدينة، بتنسيق اقليمي ودولي، سيسمح ايضا بدينامية جديدة لاختراق. وهو سيسمح ايضا بنقل تدريجي ولكن فوري لاحياء وقرى عربية تندرج اليوم في النطاق البلدي للقدس الى نطاق السلطة الفلسطينية. سكانها سيكفون عن أن يكون سكان دولة اسرائيل، وستوجد ترتيبات تسمح برقابة مناسبة على حقوقهم في التأمين الوطني. من جهة اخرى، مثل هذا الفصل سيسمح ايضا باعتراف دولي بضم احياء يهودية الى القدس العبرية، وهذه ستكون جزءا لا يتجزأ من المدينة وتحفظ فيها حرية كاملة للتخطيط والبناء، مثلما في أي قسم آخر من القدس. قولوا من الان فصاعدا: لنضع القدس في رأس اهتمامنا. اذا نجحنا في أن نقترح أن نطبق حلا مناسبا وملائما في القدس، ستزداد جدا فرص تحقيق تسوية كهذه بالنسبة لعناصر اخرى في النزاع. اذا توصلنا الى تسوية مناسبة في كل شيء باستثناء القدس فان هناك خطرا حقيقيا في أن يحبطها الجدال على المدينة.

 

يديعوت 11/7/2010

 

 

Add  your comment أضف تعليقا بالضغط هنا

 

Guest Book دفتر الزوار

 

Share |

 

 

Fidel Castro says remarks about Cuban model 'not working' misinterpreted

 

Former president had previously been reported to have admitted failure of economic system

 

Rory Carroll, Latin America correspondent guardian.co.uk, Friday 10 September 2010 23.06 BST Article history

 

Former president Fidel Castro is reported to have said: 'The Cuban model doesn't even work for us anymore.' Photograph: Desmond Boylan/Reuters

 

Fidel Castro said today that his comment to a US journalist about Cuba's system not working had been misinterpreted.The former president told a meeting at the University of Havana that the remark, which caused a sensation when reported earlier this week, did not reflect his view. He meant "the exact opposite", he said.Jeffrey Goldberg, a national correspondent for the Atlantic magazine, reported that at the end of a long lunch last month he asked the 84-year-old communist revolutionary if Cuba's economic system was still worth exporting to other countries. He said Castro replied: "The Cuban model doesn't even work for us anymore."Castro did not elaborate but the implication, according to Julia Sweig, a Cuba expert from the Council on Foreign Relations who also attended the lunch, was that the state had too big a role in the economy.The island's dire economic state was hardly news but for the man who spent over half a century building it to breezily admit failure astonished observers."I have been somewhat amazed by Fidel's new frankness," said Stephen Wilkinson, a Cuba expert at the London Metropolitan University. "This is the latest of a series of recent utterances that strike me as being indicative of a change in the old man's character."With today's comments, Castro, perhaps taken aback at the attention heaped on his nine apparently offhand words, sought to dampen the story.Goldberg, who detailed his three-days in Havana with Castro on his blog, did not immediately respond to the disputed version of the controversial remark.Sweig, a doyenne of Cuba analysts, was unavailable for comment but an aide said the analyst would brief the media on Monday about her trip to Havana.Earlier this week she confirmed Goldberg's version of the lunch, telling AP that she took the remark to be in line with Raúl Castro's call for gradual but widespread reform."It sounded consistent with the general consensus in the country now, up to and including his brother's position," Sweig said.Raúl has said Cuba cannot blame the decades-old US embargo for all its economic ills and that serious reforms are needed. Fidel's statement was seen as bolstering the president's behind-the-scenes tussle with apparatchiks resisting change.In general, Sweig said she found the retired grandfather to be "relaxed, witty, conversational and accessible. He has a new lease on life, and he is taking advantage of it."

 

 
هذه هي نسخة Google لعنوان http://omedia.jeeran.com/Page_5.html. وهي عبارة عن لقطة شاشة للصفحة كما ظهرت في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 01:29:46 GMT. ربما تم تغيير الصفحة الحالية في غضون ذلك. تعرف على المزيد

تم تظليل مصطلحات البحث التالية: omedia jeeran com  
OMedia Nazmi.org
Originality Movement Political Site from Nazmi.org

 

 

 

 

Poetry and Press
Unpublished Poems By Mahmoud Darwish
أربع قصائد من قصائد لم تنشر لمحمود درويش
19/3/2009
تنشر بالتزامن مع جريدة الحياة اللندنية- اللبنانية
http://omedia.jeeran.com/reality.html

الشيوعي الأخير يدخل الجنة لسعدي يوسف:

 

 

قرين جديد للأخضر بن يوسف معمد بالماء والنار

 

 

سعيدي المولودي

 

 

ناقد من المغرب

 

 

 

The Last Communist By Sadi Yousef
1 ـ سعدي يوسف: الشيوعي الأخير يدخل الجنة. دار توبقال للنشر. الدار البيضاء. المغرب. الطبعة الأولي 2007.
2 ـ الشيوعي الأخير يشهد أول أيار في برشلونة. ص.69.
3 ـ الشيوعي الأخير يذهب إلي السينما. ص.72.
4 ـ الشيوعي الأخير يذهب إلي البصرة.ص.79.
5 ـ الشيوعي الأخير يذهب إلي باريس.ص.87.
6 ـ الشيوعي الأخير يدخل الجنة. ص.85.
7 ـ الشيوعي الأخير يدخل النفق.ص.101.
8 ـ ص: 38.
9 ـ الشيوعي الأخير يخرج متظاهرا. ص.106.